الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

فهذه فقرات تشرح منهجية القراءة التي سلكتها في بيان حكم الشركات المساهمة من الناحية الشرعية وبعض الأمور الأخرى، وهي نقاط مختصرة، ولمن يريد المزيد في المنهجية أو رأيي في الشركات غير النقية، فليرجع إلى موقع الربح الحلال [www.halal2.com] وإلى قرارات الهيئات الشرعية المفصلة.

  1. استكمالاً للدراسات السابقة التي كنت أقوم بها وأنشرها في المواقع المتخصصة بالأسهم وفي موقع الربح الحلال منذ أكثر من عشر سنوات، أقدم هذه الدراسة الجديدة لعام 2017. وكما فعلت في الثلاث سنوات الماضية، لن أقتصر على نشر الشركات النقية، بل سأنشر الدارسة الكاملة للسوق السعودية لما رأيته من مسيس حاجة الناس لمعرفة أحكام الشركات، ومعرفة مقدار التطهير، ولقلة المهتمين ببيان ذلك الأمر. وليس معنى ذلك أنني أرى جواز الشركات المختلطة، بل إني ما زلت على رأي السابق، وهو أن الشركات النقية هي التي يجوز المضاربة والاستثمار فيها.
  2. نظرا للجهل الكبير في واقع الشركات المختلطة، ونسبة القروض التقليدية فيها، وظن الكثيرين أنها على درجة واحدة في نسب التمويلات والاستثمارات التقليدية، رأيت أن أنشر الدارسة بجميع بياناتها، حتى يتبين للناس حجم التمويل والاستثمار والدخل غير الشرعي لكل شركة. وهذا فيه مصالح، منها اقتصار بعض المستثمرين على الأفضل منها من حيث الشرعية. ونتيجة لذلك أرجو أن تتسابق الشركات بتحسين وضعها الشرعي، إن شاء الله، خاصة مع صدور نظام الشركات السعودي الجديد، الذي ينص على وجوب شرعية التمويلات والأوراق المالية.

  3. القوائم المالية السنوية (وليست الربعية) هي الأصل في الحكم على الشركة، لما فيها من الإيضاحات المفصلة التي تبنى عليها أحكام الدراسة الشرعية. ومع متابعتي لأخبار الشركات، وبعض تقارير مجالس الإدارة، ونشرات الإصدار، إلا أني أقرر هنا أن الدراسة تعتمد على ما كتبه وأقره وشهد عليه المحاسب القانوني للشركة في القوائم المالية السنوية. وأشكر كثيرا من المحاسبين القانونين على جودة العمل، وأتمنى أن يتحسن أكثر في جوانب الإفصاح الشرعي. ومن المعلوم أن الشركات السعودية قد بدأت منذ مدة تطبيق معايير المحاسبة ومعايير المراجعة الدولية (IFRS)، وتتفاوت الشركات السعودية في إتمام التطبيق. وهذه المعايير قد غيرت من الطرق المعتادة للإفصاح، بطريقة قد يكون نتيجتها عجز القراء الشرعيين عن معرفة بعض تلك البيانات المهمة للقراءة لشرعية.
  4. وفي هذا السياق، ومن باب إحقاق الحق، وشكر العاملين، أتقدم بشكري الجزيل لشركتي سابك والاتصالات على الإفصاح المحترف للقروض والاستثمارات في القوائم المالية، أخذا بنتائج الدارسة الشرعية التي أقرت من الهيئة السعودية للمحاسبين السعوديين (SOCPA) كجزء من مشروع التحول إلى معايير المحاسبة ومعايير المراجعة الدولية (IFRS). وآمل أن تحذو بقية الشركات ذلك النهج المميز، لما فيه من جودة الإفصاح. 
  5. هذه الدراسة مبنية على القوائم المالية للشركات المساهمة المنشورة في موقع شركة “تداول”، عن الفترة المنتهية في 31 ديسمبر 2017م. 

  6. تتفاوت طرق الإفصاح الشرعي في قوائم الشركات المساهمة تفاوتا كبيرا، ولكني لم أبحـث عـن عذر للشركة، كما أنني لم أتصل بأي شركة لبيان ما أغفل من شرح أو خفي علي من إيضاحات في القوائم المالية، بل غلبت جانب الاحتياط، وخاصة في التطهير. وأعتقد أن الوقت قد حان بعد الانتشار الكبير للتمويلات والعقود الإسلامية أن يكون الإفصاح عنها موازيا للمكانة الكبيرة التي تبوأتها عن استحقاق.

  7. ركائز الدارسة الشرعية التي تدور عليها فتاوى جماهير العلماء ثلاثة: نشاط الشركة، والقروض، والاستثمارات ونسبة العائد المحرم عليها، وهي التي جعلتُ محور الدارسة عليها. ولم أتعرض، إلى الآن، للمشتقات المالية، مع أهميتها، وازدياد حجمها.

  8. التصنيف الشرعي للشركات: باختصار، يرى جماهير العلماء المعاصرين أن الشركات المساهمة أربعة أنواع: شركة محرمة النشاط، وشركة لم تنطبق عليها الشروط، وشركة مختلطة، وشركة نقية. فالشركة النقية هي الشركة مباحة النشاط ولا يوجد فيها استثمارات ولا تمويلات محرمة. وأما المختلطة، فهي الشركة مباحة النشاط، ولكنها اقترضت (أو استثمرت) في محرم لا يزيد عن ثلث إجمالي المطلوبات (الموجودات)، وعندها إيرادات محرمة لا تصل إلى 5% من إجمالي إيراداتها. وأما الشركة التي لم تنطبق عليها الشروط، فهي الشركة مباحة النشاط، ولكنها اقترضت و/أو استثمرت في محرم أكثر من الثلث، و/أو أن إيراداتها المحرمة قد زادت على 5%. وأما الشركة محرمة النشاط فهي ما كان أصل نشاطها محرما، حتى لو تمولت أو استثمرت في مباح، مثل البنوك التجارية التقليدية. ويمكن لمن يرغب المزيد من التفصيل قراءة قرارات الهيئات الشرعية والبحوث الموسعة في الموضوع.

  9. من أصعب المعايير المعيار الأول الخاص بالنشاط لقلة الإفصاح فيه. فمثلا، هناك شركات تُعنى بالألعاب، ومن زار تلك الأماكن رأى أن بعض الألعاب تلعب بطريقة الميسر المحرم. كذلك، بعض الشركات تبيع الذهب. وليس هناك إفصاح عن طبيعة بيع الذهب، وهل تنطبق عليه المعايير الشرعية. كذلك هناك شركات متخصصة في الإيجار المنتهي بالتمليك، وليس هناك إفصاح عن العقد وإجازته شرعا. ولعل المحاسبين القانونيين الكرام يضعون مزيدا من الإفصاح في هذه النقاط وغيرها.

  10. لا يفهم من تسمية شركة ما بأنها نقية أنها مبرأة من كل عيب. فهناك أمور كثيرة تعتري الشركات، ولا يفصح عنها في القوائم المالية. ومجال التصنيف السابق منحصر فيما ذكر أعلاه (النشاط والتمويلات والاستثمارات والعائد عليها) مما هو مذكور ومفصح عنه في القوائم المالية للشركة. بالإضافة إلى ذلك، فبعض العقود التي تسلكها البنوك التجارية السعودية في التمويل والاستثمار لعملائها عليها ملحوظات شرعية، وفيها خلاف قوي بين العلماء، وهذا ليس خاصا بالشركات النقية، بل بكل الشركات. وهناك شركات تقوم ببعض الأعمال بطريقة خاصة، ولكنها لم تصدر لها قرارات قبول من هيئات شرعية معتبرة، وهذه لم أعتبرها مباحة، لأن المتخصصين من العلماء لم يجيزوها. وما لا يدرك كله لا يترك كله، وعلى الله قصد السبيل.
  11. 11-  الأنشطـة المحرمة في السعودية هـي المـصرفية التقلـيدية، والتأمين التقـليدي، والإعـلام والـنشر    المحرم، والاستثمار في المصارف والفنادق المحرمة.

  12. 12-  لم أدرس المصارف الإسلامية ولا شركات التأمين التعاوني، لأن الهيئات الشرعية القائمة عليها تقوم بذلك العمل، وتتولى صرف التطهير.
  13. ألفت الانتباه أننا منذ العام الماضي قد درسنا شركات السـوق الموازية (نمو)، والصنـاديق العـقاريـة المتداولة (ريت)، وقد أعدنا تصنيف الشركات على التصنيف الجديد لهيئة السوق المالية (GICS).
  14.  القروض والاستثمارات: الأصل أن ما كتب بطريقة توحي أنه تم حسب الضوابط الشرعية، جعلته شرعيا، مثل المرابحة، والتورق وما إلى ذلك من مصطلحات. ولا يلزم أن أكون مقتنعا بكل ما ذكر. وأما ما كتب بطريقة تدل على أنه تم بأسلوب تقليدي فقد جعلته تقليديا. وأما ما تم عنونته بطريقة مدمجة مجملة، بحيث أصبحت القروض والمرابحات في مبلغ واحد بدون إيضاحات، فقد جعلته كله في القروض التقليدية. ولكن حين تسرد الشركة أسماء البنوك التي تمولت منها، فأعامل تمويلات البنوك الإسلامية كتمويلات إسلامية. وأرى أن المسؤولية تقع على الشركة والمحاسب القانوني في الإفصاح مستقبلا عن كل نوع على حدة.

  15.  تمويلات صندوق الاستثمارات العامة تقليدية، للأسف الشديد. وفي الشركات التي يملك فيها صندوق الاستثمارات العامة نصيبا، خصمت من قرضه حصة الصندوق في الشركة الأم فقط.

  16.  تمويلات صندوق التنمية الصناعية السعودي كانت تعتبر تمويلات شرعية عند الهيئات الشرعية. ولكني صدمت في السنوات الثلاث الأخيرة بارتفاع النسبة المئوية التي فرضت على بعض الشركات، وهي إلى الربا أقرب من كونها تكلفة حقيقة لمتابعة عمل الصندوق، والنسبة هي 7.5%. ولذلك، فقد جعلتها من القروض التقليدية. وكذلك الحال مع قروض الصندوق الزراعي، فقد كانت قروضا حسنة منذ بدء عمل الصندوق، وهناك أخبار لم اتأكد منها بأنها أصبحت قروضا تقليدية. وحال تأكدي من ذلك، فسأراجع الدراسة والمنهجية مرة أخرى، إن شاء الله.
  17. صناديق الاستثمار العقاري المتداولة (الريت): من المهم أن يستحضر المستثمر في هذه الصناديق بعض النقاط. أولا، هي تقوم على عقد الإيجار المنتهي بالتمليك (غالباً)، وليس هناك سبيل إلى تدقيق تلك العقود ولا معرفة طبيعة نشاط المستأجرين. ثانيا، لا توفر القوائم المالية الشروط التفصيلية لتمويل تلك الصناديق، وعليه أخذت بظاهر كلمة تمويل إسلامي فقط. ثالثا، عاملتُ سيولة الصناديق مثل الشركات المساهمة، فتم تطهير ربع واحد بالمئة منها. وهي فرصة لأدعو إلى مزيد من الإفصاح عن تلك النقاط وغيرها في القوائم المالية لها في المستقبل.
  18. قد تستدعي الدراسة متابعة بعض تمويلات أو استثمارات شركة معينة في أعوام قادمة، ويكون لها تأثير عليها في الدارسة القادمة. وقد تصنف بعض البنود بطريقة شرعية في سنة، وتصنف بطريقة موهمة في سنة أخرى، وقد آخذ بالإيضاح الخاص بالسنة الماضية إن لم يتغير المبلغ.

  19.  التطهير: الأصل تطهير ما يجزم أو يغلب على الظن أنه دخلٌ محرم. ويشمل ذلك تطهير كامل مبالغ غرامات التأخير أو العمولات والفوائد المكتسبة. أما ما أدرج تحت كلمة “أخرى” في الإيرادات بدون إفصاح، ومحافظ الأسهم، وعوائد الاستثمار فيها، والحسابات الجارية، فتطهر بنسبة ربع واحد في المئة. وسبب إدخال الحسابات الجارية لأن الشركات تنتفع جزما من البنوك بصفة مباشرة أو غير مباشرة. وهناك عرف محاسبي يؤدي إلى عدم الدقة في التطهير، وهو عرض بعض البنود بالصافي، وهو مما يحتم زيادة الاحتياط في التطهير. وأهيب بالمحاسبين القانونيين الكرام بالإفصاح عن الإيرادات المحرمة ببنود مستقلة. كذلك تم تطهير التعويضات التي حصلت عليها الشركات من شركات التأمين التي لم يفصح عن كونها شركات تأمين إسلامية.
  20. كما ذكرت في العام الماضي، فحيث إن قرابة 80% من أصول شركة مكة للإنشاء والتعمير كانت على شكل أسهم في شركة جبل عمر للتطوير، فلم آخذ بالتقدير وهو ربع واحد في المئة، بل وضعت نسبة التطهير الخاصة بسهم شركة جبل عمر مضروبا في عدد الأسهم التي تملكها شركة مكة منها.
  21.  تم حساب التطهير عن كل سهم. وتم جعل مبلغ التطهير لكل سهم من أربع خانات حتى يتضح مقدار التطهير. وبالنسبة لمن يملكون أسهما كثيرة، فيمكن معرفة المبلغ على وجه الدقة من خلال تطبيق “مقاصد الأسهم” على الهواتف الذكية. وأذكر المساهمين الكرام أن مبلغ التطهير يجب إخراجه بنية التخلص في أوجه البر، ولا يعتبر صدقة، ولا ينتفع به المطهر بأي شكل من الأشكال.

  22.  أكرر نصيحتي للمتعاملين بالبعد عن المضاربة، خاصة في الشركات غير القوية اقتصاديا.

  23.  يستشكل بعض المستخدمين اقتصار المشايخ وطلبة العلم على الدراسة الشرعية بعيدا عن أهداف الاستثمار الأخلاقية، مثل أنشطة المسؤولية المجتمعية للشركة، ودرجة الوعي البيئي، ومقدار الشفافية مع الموظفين والعملاء، وما إلى ذلك من معايير. والحقيقة أنهم محقون في نقدهم، ولكن ليس هناك بيانات يمكن الاعتماد عليها في تقييم الشركات من الناحية الأخلاقية. وهناك مسافة طويلة قبل أن تطبق الشركات السعودية تلك المعايير، والله المستعان. ولذلك، فعندي قناعة أن بعض الشركات تستغل الجانب العاطفي للتصنيف الشرعي في الاكتتابات وغيرها، ولكن لا يعني ذلك أن نترك دراسة الشركات، وعلى المستثمر أن يكون حذرا بما فيه الكفاية.

  24.  وبعد: فما قمت به من دراسة هو ما أظن أنه واجب متحتم علي لبيان الأحكام الشرعية للمتعاملين في السوق المالية، وقد قمت به اجتهادا مني، فما كان من صواب وتوفيق فهو من الله سبحانه وحده لا شريك له، وما كان من زلل أو خطأ فهو من نفسي والشيطان، والله ورسوله صلى الله عليه وسلم منه بريئان.  ومن وجد خطأ فليصوبني، ورحم الله امرأً أهدى إلي عيوبي. وقد استغرق العمل في هذه الدراسة أكثر من ثلاثة أشهر (بدءاً بتنزيل القوائم المالية، ثم إدخال البيانات، ثم الدارسة الشرعية والقراءة الفاحصة للقوائم)، وتمت مراجعة البيانات أكثر من مرة، ومع ذلك، فالخطأ والسهو وارد.

  25.  في الختام، يؤكد المشرف العام على مركز المقاصد للاستشارات الاقتصادية أن هذا العمل لا يُقصد منه أي أغراض تجارية، وأنه ليس إعلان أوراق مالية أو دعوة لممارسة أي نشاط في الأوراق المالية، والغرض منه فقط إبراء للذمة من الناحية الشرعية، وليكون عوناً لمن قرر أن يمارس نشاط الأوراق المالية في معرفة الأسهم التي لا يجوز تملكها، وإذا تملك من الأسهم التي يجوز تملكها أن يحرص على تطهير ما يدخل عليه منها.

جعل الله ما نقوم به في موازين أعمالنا، مع شكري وتقديري لفريق العمل، وكتب أجر من شاركنا فيه برأي أو مشورة، ونسأل الله أن يكون عملاً خالصاً لوجهه صواباً على سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

              المشرف العام                                   للتواصل في النقد البناء أو الاقتراحات أو غير ذلك

     د. محمد بن سعود العصيمي                                    alosaimi@almaqased.net