الصناعة المالية عند عمر رضي الله عنه

أنت هنا:
< الخلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما، أما بعد:

فقد جاء الوصف النبوي لعمر بن الخطاب رضي الله عنه بالعبقرية، كما ثبت عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «رأيت الناس مجتمعين في صعيد، فقام أبو بكر فنزع ذنوبا أو ذنوبين، وفي بعض نزعه ضعف، والله يغفر له، ثم أخذها عمر فاستحالت بيده غربا، فلم أر عبقريا في الناس يفري فريه حتى ضرب الناس بعطن».([1])

والعبقري عند العرب: كل شيء بلغ النهاية في أمره، وفي هذه الرؤيا أشار ﷺ بالبئر إلى الدين، الذي في منبع مائه حياة النفوس وتمام أمر المعاش والمعاد، وأما النزع وإخراج الماء فهو إشارة إلى إشاعة أمره وإجراء أحكامه، وأشار بالنزع إلى القوة.([2])

وكان لعمررضي الله عنه في الشأن المالي نظر نافذ وبصيرة ظاهرة، وظهرت عبقريته المالية على وجه يدهش له القارئ للسيرة العمرية ويعجب له المتصفح لها، وسنأتي في هذه المقالة لشيء يسير من تلك التراتيب المالية والصناعة الاقتصادية العمرية، وإلا فالإدراك لمثل هذا الصعيد الأفيح مما يستحيل ويتعذر، ويحسن معه الإقالة والاعتذار.

أسأله جل جلاله التسديد والنفع.

 

  • مقدمة:

حين تنظر في تلك السيرة العطرة سيبرز لك غاية ما يكون؛ ذلك الشغف العمري بتجلية الأحكام المالية، ومما يدل على ذلك:

– أنه قد بقيت في قلبه رضي الله عنه حسكة من سؤالات ودّ لو سأل عنها النبي ﷺ، كما أخبر هو عن نفسه، وإذا تأملتها وجدتها جميعها في الشأن المالي، وهذا أمر خليق بالتأمل، فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: خطب عمر، على منبر رسول الله ﷺ فقال: “ثلاث وددت أن رسول الله ﷺ لم يفارقنا حتى يعهد إلينا عهدا: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا”.([3])

– ولقد كان رضي الله عنه يعلم من نفسه اختصاصا بمثل هذه الأحكام، ولهذا كان ينزّل الصحابة في وظائفهم الإصلاحية للأمة على رتبٍ بحسب ما يختصون به، ثم يجعل نفسه في موضع القاسم المالي، مع أن وظائف السلطنة أشمل من ذلك وأوسع، فعن علي بن رباح أن عمر بن الخطاب t خطب الناس بالجابية، فقال: من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعبٍ، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابتٍ، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبلٍ، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني؛ فإن الله تبارك وتعالى جعلني له خازنًا وقاسمًا: إني بادٍ بأزواج رسول الله e فمعطيهن، ثم المهاجرين الأولين، ثم أنا بادٍ بأصحابي، أخرجنا من مكة من ديارنا وأموالنا، ثم بالأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم، ثم قال: فمن أسرع إلى الهجرة أسرع به العطاء، ومن أبطأ عن الهجرة أبطأ عنه العطاء، فلا يلومن رجلٌ إلا مناخ راحلته.([4])

– ولأرفعية عمر في هذا الشأن فقد جاء أنه ولي ولاية نظر المال في عهد أبي بكر.([5])

– ومما يفخم شأن الفتاوى المالية لعمر أن التداول النقدي في عهده كان عاليا جدا، فقد ذكر ابن سعد أن خراج العراق والجبل في عهد عمر كان مائة وعشرين ألف ألف درهم (120,000,000) ([6])، فإذا كان كذلك كانت الصناعة المالية لعمر مما يجب أن تفحص وتدرس.

– وقد كان للصناعة المالية لعمر أثرها في سعة أيدي الناس بالمال وزيادة دخلهم، فقد روى أبو عبيد في الأموال أن معاذ بن جبل  ؓ بعث إلى عمر  ؓ بثلث صدقة الناس فأنكر ذلك عمر، وقال: «لم أبعثك جابيا ولا آخذ جزية، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فتردها على فقرائهم»، فقال معاذ: «ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد أحدا يأخذه مني»، فلما كان العام الثاني بعث إليه شطر الصدقة، فتراجعا بمثل ذلك فلما كان العام الثالث بعث إليه بها كلها، فراجعه عمر بمثل ما راجعه قبل… قال: “ما بعثت إليك بشيء وأنا اجد أحدا يأخذه مني”.([7])

  • الصناعة الإدارية المالية:

– ومن أوائل ما ستلحظه في العبقرية العمرية الاقتصادية: أنه كان مهموما بشأن قاعدة البيانات المالية للأمة، ولذا حين كثر عليه الخراج استشار الناس، فأشاروا عليه بأمور، حتى قال الوليد بن هشام بن المغيرة: قد جئت الشام فرأيت ملوكها قد دونوا ديوانا وجندوا جندا، فدوّن ديوانا وجند جندا، فأخذ بقوله، فدعا عقيل ابن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم، وكانوا من لسان قريش فقال: اكتبوا الناس على منازلهم، فبدؤوا ببني هاشم، واتبعوهم أبا بكر وقومه ثم عمر وقومه على الخلافة، فلما نظر إليه عمر، قال: وددت والله أنه هكذا ولكن ابدؤوا بقرابة النبي r الأقرب فالأقرب حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله تعالى”.([8])

– ومن دقيق السياسة المالية لعمر: منعه من انفراد الإمام بالتصرف فيما له فيه حظ، وذلك لوجه التهمة: فقد خرج عمر يوما فصعد المنبر وكان قد اشتكى شكوى ونعت له العسل، وكان في بيت المال عكة، فقال: “إن أذنتم لي فيها أخذتها وإلا فإنها حرام”.([9])

وهذا نص بديع وموقف عجيب فقد كان عمر يعطي آحاد رعيته إذا وجدت حاجتهم دون أن يستأذن، ولكن لما تعلق الأمر به استأذن الناس لوجود التهمة بجر النفع للنفس.

– وقد كان عمر يراعي في جباية الضريبة أن يقابلها انتفاع من ثروات بلاد الإسلام، ولهذا جعل الخراج معلقا بالتمكن من الانتفاع بالأرض، وجعل الخراج على الأرض التي تغل دون أرض السكنى.([10])

– وكان من السياسة المالية التنظيمية لعمر: أن لا يجمع الوالي بين ولايته وتجارته، اتقاء المحاباة([11]) وخشية الانشغال، وربما كان لما في ذلك من مزاحمة من لا ولاية له ممن ليس له إلا الاتجار بماله، ولذا كان يقاسم من يتجر من عماله، فقاسم خالد بن الوليد حتى أخذ أبو عبيدة عمامته([12])، وقاسم أبا هريرة([13])، وعمرو بن العاص حين بعث إليه محمد بن مسلمة([14])، وقال مرة للحارث بن وهب: “ما بعثناك للتجارة وإنما بعثنا بك للإمارة”.([15])

– ومن دقيق النظر العمري المالي: أنه t كان يحذر من تجمع أسباب الثراء العالي بيد فئة دون بقية الأمة، فعن يزيد بن أبي حبيب، أن عمر كتب إلى سعد بن أبي وقاص يوم افتتح العراق: “أما بعد، فقد بلغني كتابك أن الناس قد سألوا أن تقسم بينهم غنائمهم، وما أفاء الله عليهم، فانظر ما أجلبوا به عليك في العسكر، من كراع أو مال: فاقسمه بين من حضر من المسلمين، واترك الأرضين والأنهار لعمالها؛ ليكون ذلك في أعطيات المسلمين، فإنا لو قسمناها بين من حضر لم يكن لمن بعدهم شيء”([16])

– ومن دقيق ما جاء عن عمر رضي الله عنه أنه كان يراعي العوارض المؤثرة في الاقتصاد في الأحكام الشرعية المالية، فكان لا يحصره اللفظ المنقول عن المعنى المقصود، ومن ذلك:

ما ثبت في سنن البيهقي: أنه صار في قسمة النخع رجل من أبناء الملوك يوم القادسية، فأراد سعد أن يأخذه منهم، فعدوا عليه بسياطهم، فأرسل إليهم: إني كتبت إلى عمر بن الخطاب، فقالوا: قد رضينا، فكتب إليه عمر: “إنا لا نخمس أبناء الملوك”، فأخذه منهم سعد، فقال المغيرة: لأن فداءه أكثر من ذلك([17])، فلم يجر عمر حكم الغنيمة في هذه الحادثة، ولكنه أعمل الحكم العارض، فنقله لحكم الأسارى وأخذ منه الفداء.

– ومثله ما جاء أن عبد الرحمن بن أمية أخو يعلى بن أمية من رجل من أهل اليمن فرسا أنثى بمائة قلوص، فندم البائع، فلحق بعمر فقال: غصبني يعلى، وأخوه فرسا لي، فكتب إلى يعلى أن ألحق بي، فأتاه فأخبره الخبر، فقال عمر: «إن الخيل لتبلغ هذا عندكم؟» فقال: «ما علمت فرسا بلغ هذا قبل هذا»، قال عمر: «فنأخذ من أربعين شاة شاة، ولا نأخذ من الخيل شيئا ‍خذ من كل فرس دينارا» قال: «فضرب على الخيل دينارا دينارا».([18])

فهذه ضريبة فرضها عمر بمقتضى السلطنة والإمامة، وليس هو بفرض شرعي، لكنه حين رأى ما تبلغه الخيل من الثمن ضرب عليه ذلك القدر من الضريبة المالية.

–  ومن لطيف الفقه التنظيمي المالي لعمر، أنه كان يجعل تصرفه بوصفه الشخصي في بيت المال منقطعا عن ولايته للأمة، بحيث أنه يتصرف كسائر الأمة لا بوجه السلطة: فقد كان عمر إذا احتاج أتى صاحب بيت المال فاستقرضه، فربما عسر فيأتيه صاحب بيت المال يتقاضاه، فيلزمه فيحتال له عمر، وربما خرج عطاؤه فقضاه.([19])

– من جلال الصناعة العمرية ترتيب الأعمال الإدارية لتنظيم شأن المال في بلد الإسلام: فقام بتولية رجال على الشؤون المالية المختلفة ([20])، فكان هناك عامل الخراج ([21])، فاستعمل عمر على الكوفة عثمان بن فرقد وعلى البصرة حجاج بن علاط، وعلى الشام معن بن يزيد ([22])، ورتّب وظيفة صاحب بيت المال فاستعمل عمر على بيت المال معيقيب وابنا الأرقم، وعلى بيت مال الكوفة ابن مسعود ([23])، وجعل وظيفة العاشر فاستعمل عمر على العشور زياد بن حريد والسائب بن يزيد([24])، ونظم ظيفة عامل الحمى، وجعل عمر عليه مولاه هني.([25])

ومن الأعمال المالية اللصيقة بذلك، عامل الاستيفاء، والمستوفي هو الذي يقبض المال من أمراء الأمصار، وكان عمر قد بعث محمد بن مسلمة في ذلك([26])، وصاحب المساحة وهو الذي يمسح الأرض ويقدر ما تحتمله من خراج، وكان عمر قد ولى على ذلك عثمان بن حنيف وحذيفة بن اليمان ([27])، ومنه: صاحب الأقباض، وهو الذي يقبض الغنائم ويدونها، وكان عمر قد وكل في ذلك عددا من أصحابه، كالنعمان وسويد ابني عمرو بن مقرن.([28])

– ومن المبادئ العظيمة التي راعاها عمر حين أبقى أرض السواد فلم يقسمها بين الفاتحين: مبدأ توزيع الثروات، فإنه t كان يقول لما أبى قسمة السواد وعارضه من عارضه من الصحابة، فقال له معاذ بن جبل: “والله إذا ليكونن ما تكره، إنك إن قسمتها اليوم، صار الربع العظيم في أيدي القوم ثم يبيدون، فيصير ذلك إلى الرجل الواحد أو المرأة، ثم يأتي من بعدهم قوم يسدون من الإسلام مسدا وهم لا يجدون شيئا، فانظر أمرا يسع أولهم وآخرهم” فأخذ عمر بقول معاذ.([29])، وكان لعمر أسباب أخرى بعثته على ذلك، سأذكرها بإذن الله.

– وقد كان من رأي عمر في تأمين مورد مالي ثابت للمسلمين فقال لمن ناقشه من الصحابة: “رأيت أنه لم يبق شيء يفتح بعد أرض كسرى، وقد غنمنا الله أموالهم وأرضهم وعلوجهم فقسمت ما غنموا من أموال بين أهله وأخرجت الخمس فوجهته على وجهه وأنا في توجيهه، وقد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها وأضع عليهم فيا الخراج وفي رقابهم الجزية يؤدونها فتكون فيئا للمسلمين: المقاتلة والذرية ولمن يأتي من بعدهم، أرأيتم هذه الثغور لا بد لها من رجال يلزمونها، أرأيتم هذه المدن العظام -كالشام والجزيرة والكوفة والبصرة ومصر- لا بد لها من أن تشحن بالجيوش، وإدرار العطاء عليهم؛ فمن أين يعطى هؤلاء إذا قسمت الأرضون والعلوج”.([30])

– وكان من صناعة عمر المالية: فرض التفاوت الضريبي بحسب التفاوت في النتاج الخراجي، حتى راعى تأثير الخصب وعدمه وتأثير القرب من السوق والبعد منه، فقد روى ابن زنجويه بسنده: عن الشعبي، أن عثمان بن حنيف، أتاه الدهاقين في الكرم فقالوا: ما كان قرب المصر يباع العنقود منه بدرهم، وما كان بعيدا، عن المصر فالوسق منه بدرهم، فكتب إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب إليه عمر: أن يحمل من هذا – أي ينقص-، ويضع على هذا السعرين والموضعين، غير أنه لم يضع من أصل الخراج شيئا”.([31])

  • الصناعة المالية في الجباية:

– مع تلك الوفرة النقدية فقد كان عمر حريصا أن لا يكون اكتناز المال وتداوله في يد عصبة من التجار، ولذا تجده يخمس السلب لما استكثره كما خمس سلب البراء بن مالك حين استكثره. ([32])، فعن ابن سيرين، قال: بارز البراء بن مالكٍ مرزبان الزارة، فطعنه، فدق صلبه وصرعه، ثم نزل إليه وقطع يديه، وأخذ سوارين كانا عليه، ويلمقًا من ديباجٍ، ومنطقةً فيها ذهبٌ وجوهرٌ، فقال عمر: «إنا كنا لا نخمس السلب وإن سلب البراء بلغ مالًا، فأنا خامسه، قال فكان أول سلبٍ خمس في الإسلام». ([33])

فربما رأى عمر أن هذا السلب مما يجعل المال دولة بين قليل في الأمة، ولهذا قال إسحاق: إن استكثر الإمام السلب خمّسه ([34])، ولهذا نظائر من صنيع عمر، فلما أقطع أبو بكر طلحة بن عبيد الله أرضا، وكتب له بها كتابا، وأشهد له ناسا فيهم عمر، قال: فأتى طلحة عمر بالكتاب، فقال: اختم على هذا، فقال: لا أختم، أهذا كله لك دون الناس؟ قال: فرجع طلحة مغضبا إلى أبي بكر، فقال: والله ما أدري، أنت الخليفة أم عمر؟ فقال: «بل عمر، ولكنه أبى».([35])

– ومن فقه الجباية المالية لعمر: أنه كان يسهل وسائل الإنتاج للفرد لينفع نفسه، ولا يدعه عائلا على السلطة، كما قال لمولاه هني: “يا هني اضمم جناحك عن المسلمين، واتق دعوة المظلوم، فإن دعوة المظلوم مستجابة، وأدخل رب الصريمة، ورب الغنيمة، وإياي ونعم ابن عوف، ونعم ابن عفان، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعا إلى نخل وزرع، وإن رب الصريمة، ورب الغنيمة: إن تهلك ماشيتهما، يأتني ببنيه، فيقول: يا أمير المؤمنين؟ أفتاركهم أنا لا أبا لك، فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والورق، وايم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم، إنها لبلادهم فقاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله، ما حميت عليهم من بلادهم شبرا”.([36])

– التخفيفات مراعاة لحال المكلفين: كان لعمر t وجوه من التخفيفات في الضرائب المالية التي كان يفرضها، فمن ذلك أنه كان لا يأخذ الجزية من النساء والصبيان، عن أسلم مولى عمر أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد: “أن يضربوا الجزية، ولا يضربوها على النساء والصبيان ولا يضربوها إلا على من جرت عليه الموسى”([37])، هذا إذا كان في الجزية لأنها مأخوذة على الرأس، فأما إذا كانت مقابل الأرض فلا فرق بين الرجل والمرأة إذن، ولهذا ومما يبين ذلك قول عمر في دهقانة نهر الملك حين أسلمت، فقال: “دعوها في أرضها تؤدي عنها الخراج”([38])، فأوجب عليها ما أوجب على الرجال.

– ومن وجوه التخفيفات أنه كان يأخذ الجزية من جنس ما يملكه المستحقة عليه، فعن أسلم: أن عمر ضرب الجزية على أهل الذهب: أربعة دنانير، وعلى أهل الورق: أربعين درهمًا، ومع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيامٍ.([39])

– وكان يراعي اختلاف العملات والنقد بين البلدان، ولذا كان يأخذ الدراهم من أهل العراق، ويأخذ الدنانير من أهل الشام، ويأخذ الإبل من آخرين.([40])

– وكان يجعل الضريبة المالية بحسب الدخل المالي توسعا وضيقا، فعن ابن أبي نجيح قال: سألت مجاهدا: “لم وضع عمر على أهل الشام من الجزية أكثر مما وضع على أهل اليمن؟ فقال: لليسار”.([41])

– وكان يمنع تكرارها، فعن ابن زياد بن حديرٍ، أن أباه كان يأخذ من نصرانيٍ في كل سنةٍ مرتين، فأتى عمر بن الخطاب، فقال: يا أمير المؤمنين، إن عاملك يأخذ مني العشر في السنة مرتين. فقال عمر: «ليس ذلك له، إنما له في كل سنةٍ مرةً» . ثم أتاه، فقال: أنا الشيخ النصراني فقال عمر: وأنا الشيخ الحنيف، قد كتبت لك في حاجتك. ([42])

– ومن تلك التخفيفات: ما فعله عمر في عام الرمادة من تأخير جباية الزكاة، فعن ابن أبي ذباب، أن عمر أخر الصدقة عام الرمادة، قال: فلما أحيا الناس بعثني، فقال: اعقل عليهم عقالين، فاقسم فيهم عقالا.([43])

– ولعمر سابقة النظر المالي في مبتكرات إدارية عالية في الجباية: فقد كتب أهل منبج –وهم قوم من أهل الحرب وراء البحر- إلى عمر بن الخطاب t: “دعنا ندخل أرضك تجارا وتعشرنا”، قال: فشار عمر أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك؛ فأشاروا عليه به، فكانوا أول من عشر من أهل الحرب.([44])

– ومن المبادئ الهامة التي راعاها عمر مبدأ المعاملة بالمثل، سأل عمر المسلمين: كيف يصنع بكم الحبشة إذا دخلتم أرضهم؟ فقالوا: يأخذون عشر ما معنا قال: «فخذوا منهم مثل ما يأخذون منكم».([45])

– وعن زياد بن حدير قال: كنا نعشر في إمارة عمر بن الخطاب، ولا نعشر معاهدا ولا مسلما قال: فقلت له: فمن كنتم تعشرون؟ قال: تجار أهل الحرب كما يعشروننا إذا أتيناهم”.([46])

– ومن عظيم ما وجدت من النظر المالي لعمر، أنه كان يسلك طريق التخفيض الضريبي لبعض السلع لزيادة الرواج، ففي الموطأ عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب كان يأخذ من النبط، من الحنطة والزيت، نصف العشر، يريد بذلك أن يكثر الحمل إلى المدينة. ويأخذ من القطنية العشر.([47]) وهذا سيخفض سعره على المسلمين، فكان يخفف الضريبة عن الحنطة والزيت بالنصف، حتى يكثر الجلب للمدينة، فإن التجارة تتبع الأقل في التكلفة، فإذا قلت تكلفة سلعة أو نوع اتجه له التاجر.

– ومما راعاه عمر في توجيه السلوك المالي: أنه كان يجعل قدر الضريبة معكوس مدة، مع مدة الإقامة، فقد كتب إلى زياد حدير: إن أقاموا ستة أشهر فخذ منهم العشر، وإن أقاموا سنة فخذ منهم نصف العشر”([48])، وذلك أن بقاء المال في البلد مدة أطول فيه رواج للمال يستفيد منه المسلمون.

– ومن الأسباب الاقتصادية التي حملت عمر على قسمة أرض السواد، ما كتبه لأبي عبيدة، بأن أهلها أعلم وأقوى للعمل بها، فإنه كتب إليه فذكر قوله تعالى:”{والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}: فإنهم الأنصار، {والذين جاءوا من بعدهم}: ولد آدم الأحمر والأسود؛ فقد أشرك الله الذين من بعدهم في هذا الفيء إلى يوم القيامة؛ فأقِر ما أفاء الله عليك في أيدي أهله واجعل الجزية عليهم بقدر طاقتهم، تقسمها بين المسلمين ويكونون عمار الأرض فهم أعلم بها وأقوى عليها”.([49])

– ومن النظر العمري في الجباية: سلوك الوسائل المحفزة على تعمير الأرض، فجعل الخراج على المساحة، ليكون واجبا في الذمة يتعلق بالتمكن من الانتفاع من الأرض، ولم يجعلها بما يخرج من الأرض، ومع ذلك لم يفرض الخراج على أرض لا يبلغها الماء، فكتب عمر إلى عثمان بن حنيف: “أن افرض عليه الخراج على كل جريب عامر أو غامر بلغه الماء، عمله صاحبه أو لم يعمله، ثم قال: هذا قوة لهم على عمارات بلادهم”.([50])

ومن هذا فقد جعل عمر الخراج على الأرضين التي تغل: من ذوات الحب والثمار، والتي تصلح للغلة من العامر والغامر، وعطل من ذلك المساكن والدور، التي هي منازلهم، فلم يجعل عليها فيها شيئا، فأعطاهم الأرض البيضاء بخراج معلوم.([51])

وقد كان عمر  ؓ يجعل العمل مما يقوم في الجزية، فعن الأحنف بن قيسٍ: أن عمر اشترط الضيافة على أهل الذمة يومًا وليلة، وأن يصلحوا القناطر، وإن قتل رجلٌ من المسلمين بأرضهم فعليهم ديته”.([52])

  • الصناعة المالية في العطاء ومصارف المال:

– من العبقرية العمرية في باب العطاء أنه t مع شدة الحرص على أموال المسلمين فقد كان متوقيا أن يعنت رعيته، أو أن يشق عليهم، متحريا أن يصيب في المال مظلمة لأحد، ولست أداري دهشتي حين قرأت تلك التأكيدات العمرية أن يصيب عماله شيئا من ذلك، ومن عظيم ما رأيته في ذلك أنه حين جاءه خراج العراق، أخرج عشرة من أهل البصرة وعشرة من أهل الكوفة يشهدون أربع شهادات بالله: أنه من طيب ما فيه ظلم مسلم ولا معاهد.([53])

– ولما قدم سعيد بن عامر بن حذيم على عمر بن الخطاب علاه بالدرة! فقال سعيد: سبق سيلك مطرك، إن تعاقب نصبر، وإن تعف نشكر، وإن تستعتب نعتب! فقال: «ما على المسلم إلا هذا، ما لك تبطئ بالخراج؟» قال: أمرتنا أن لا نزيد الفلاحين على أربعة دنانير، فلسنا نزيدهم على ذلك، ولكنا نؤخرهم إلى غلاتهم، فقال عمر: “لا عزلتك ما حييت”.([54])

– وعن جبير بن نفيرٍ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتي بمالٍ كثيرٍ، فقال: “إني لأظنكم قد أهلكتم الناس”، قالوا: “لا والله ما أخذنا إلا عفوًا صفوًا” قال: “بلا سوط ولا نوط؟” قالوا: نعم، قال: “الحمد لله الذي لم يجعل ذلك على يدي ولا في سلطاني”.([55])

– وفي مقابل ذلك فقد كانt  معنتا على نفسه مقدرا مقترا عليها فلم يجعل لنفسه زيادة على عطاء أهل بدر، بل كان يأخذ مثلهم في عطائهم.([56])

– ومن اللطيف أن عطاء بعض عماله تحت يده كان أكثر من عطائه هو، كما في عطاء عمار، فقد كان يرزق ستمائة درهم في كل شهر، حين كان واليا على الكوفة.  ([57])

– ومن وجوه الصناعة المالية عند عمر عنايته بالكفالة التأمينية للضعفاء والمنقطعين، فقد جاء أنه كان يفرض للقطاء من بيت المال، يأخذه كافله كل شهر، كفالة رضاعهِ ونفقته. ([58])

– ومن لطيف ما يتعلق بذلك، أن عمر لم يكن يسقط العطاء بموت صاحبه، بل كان يعطيه بنسبته من الحول، بل يسقط المدة التي توفي فيها، فقد جاء أن رجلا مات في الحي بعد ثمانية أشهر من السنة فأعطاه عمر ثلثي عطاءه.([59])

– فإن استوجب العطاء ثم مات قبل بلوغه إياه أعطاه ورثته: فقد بوب أبو عبيد في الأموال: باب العطاء يموت صاحبه بعدما يستوجبه، وجعل تحته حديث ابن عمر، قال: شهدت جلولاء، فابتعت من المغنم بأربعين ألفًا، فلما قدمت على عمر قال لي: أرأيت لو عرضت على النار، فقيل لك: افتده، أكنت مفتدي؟ قلت: والله ما من شيءٍ يؤذيك إلا كنت مفتديك منه، فقال: كأني شاهد الناس حين تبايعوا فقالوا: عبد الله بن عمر، صاحب رسول الله ﷺ، وابن أمير المؤمنين، وأحب الناس إليه، وأنت كذلك، فكان أن يرخصوا عليك بمائةٍ أحب إليهم من أن يغلوا عليك بدرهمٍ، وإني قاسمٌ مسئولٌ، وأنا معطيك أكثر ما ربح تاجرٌ من قريشٍ، لك ربح الدرهم درهمًا، قال: ثم عاد التجار، فابتاعوا منه بأربعمائة ألفٍ فدفع إلي ثمانين ألفًا، وبعث بالبقية إلى سعد بن أبي وقاصٍ، فقال: “اقسمه في الذين شهدوا الوقعة، ومن كان مات منهم فادفعه إلى ورثته”([60])، وهذا الحديث أصل في مسائل: تعارض المصالح، الحوكمة، التعويض بأثر رجعي، تربيح الأب لابنه، وتفضيله له، ودرء كلام الناس عن الإمام.

– ومن عظيم الفقه المالي لعمر في حد البذل من الزكاة والصدقات، أن عمر رأى أن يعطى الفقير حتى يغنى، ولا يكتفى بشبع الرمق، كما ثبت عنه قوله: “إذا أعطيتم فاغنوا”([61])، وكان يتوسع في الإعطاء حتى وإن أكثر ليغني الطالب لها.([62])

– ومن قواعد التنظير الاقتصادي التي طبقها عمر: أنه كان يرى أن جميع المسلمين شركاء في بيت المال، بل يرى أن من سيأتي من الناس شركاء فيه، ولكل واحد فيه نصيب منه، فقد قال رضي الله عنه وقرأ: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} [الأنفال: 41] هذا لهؤلاء، {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله} [التوبة: 60] هذه لهؤلاء، {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب} [الحشر: 6]، «هذه لرسول الله r خاصة قرى عربية فدك كذا وكذا»، فـ{ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله، وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} [الحشر: 7] و {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم} [الحشر: 8] {والذين تبوءوا} الدار والإيمان من قبلهم {والذين جاءوا من بعدهم}” فاستوعبت هذه الآية الناس، فلم يبق أحد من المسلمين إلا له في هذا المال حق، أو قال: حظ، إلا بعض من تملكون من أرقائكم، ولئن عشت إن شاء الله ليأتين على كل مسلم حقه، أو قال: حظه”.([63])

وعن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: قال عمر: «ما أحدٌ من المسلمين إلا له في هذا المال حقٌ، أعطيه أو منعه».([64])

– ومن الفقه العمري المالي: أنه كان لا يرى اشتراط الإسلام فيعطي أهل الذمة من الزكاة من غير مصرف المؤلفة قلوبهم، كما روى ابن أبي شيبة عن عمر في قوله تعالى: “إنما الصدقات للفقراء والمساكين” قال: “هم زمنى أهل الكتاب”.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1])) البخاري (2633)، ومسلم (2392)، والغرب: الدلو العظيمة، وبعطن: أي رويت إبلهم حتى بركت وأقامت مكانها.

[2])) فتح الباري 7/39.

[3])) البخاري (5588)، ومسلم (3032).

[4])) أخرجه أحمد 15905، وابن أبي شيبة ، 32896.

[5])) صبح الأعشى 1/471.

[6])) طبقات ابن سعد (3/280)، وذكر ذلك أيضا ابن زنجويه في الأموال (1/ 217).

[7])) الأموال للقاسم بن سلام (710).

[8])) فتوح البلدان (ص: 432)

[9])) طبقات ابن سعد (3/276).

[10])) الأموال (ص91).

[11])) ينظر: أخبار القضاة (2/190)، مصنف عبد الرزاق  (15290)، السنن للبيهقي (20290)، تاريخ الطبري (5/153).

[12])) تاريخ الطبري 3/437

[13])) الأموال 342

[14])) فتوح مصر، لابن عبد الحكم (172).

[15])) الموفقيات (245).

[16])) السنن الكبرى للبيهقي (18369).

[17])) السنن الكبرى للبيهقي (12852).

[18])) مصنف عبد الرزاق (6889).

[19])) طبقات ابن سعد 3/209.

[20])) عبقرية عمر بن الخطاب لصقر القيسي 183.

[21])) أما عمال الصدقة فكان ذلك من عهد النبي e وليس أمرا استحثه عمر.

[22])) الخراج لأبي يوسف (126).

[23])) طبقات ابن سعد (6/8).

[24])) الأموال لأبي عبيد (ص 640).

[25])) صحيح البخاري (3059)، وينظر: فتح الباري (6/217).

[26])) فتوح البلدان (ص217).

[27])) الخراج لأبي يوسف (ص47).

[28])) تاريخ الطبري (4/23).

[29])) الأموال لابن زنجويه (1/194).

[30])) الخراج لأبي يوسف 36.

[31])) الأموال لابن زنجويه 212.

[32])) سنن سعيد بن منصور (2708)، وابن أبي شيبة 33095، وعبدالرزاق 9471، والتخميس مذهب الأوزاعي ومكحول، المغني 9/5.

[33])) سنن سعيد بن منصور (2708)، وابن أبي شيبة 33089.

[34])) الاستذكار 14/142، المغني 9/5.

[35])) ابن أبي شيبة (33031)، الأموال للقاسم بن سلام (351)، على أن عمر قد أقطع بعد، وعده أبو عبيد رجوعا عن رأيه الأول، الأموال (357).

[36])) البخاري (3059).

[37])) مصنف عبد الرزاق (10090)، مصنف ابن أبي شيبة (33129).

[38])) عبد الرزاق (10131)، ابن أبي شيبة (32943).

[39])) أخرجه مالك في الموطأ، (734)، والبيهقي في الكبرى (18686).

[40])) عبقرية عمر للقيسي 196.

[41])) البخاري (4/96).

[42])) أخرجه بغير هذا اللفظ البيهقي في ” الكبرى ” 8774 ، وابن أبي شيبة 10589.

[43])) الأموال 464.

[44])) الخراج لأبي يوسف 149.

[45])) عبد الرزاق (10121).

[46])) عبد الرزاق (10124).

[47])) موطأ مالك ت الأعظمي (2/ 399).

[48])) البيهقي (18771).

[49])) الخراج لأبي يوسف 154.

[50])) الأموال لابن زنجويه 212.

[51])) الأموال لأبي عبيد 91.

[52])) أخرجه البيهقي في ” الكبرى ” (18697).

[53])) الخراج لأبي يوسف (127).

[54])) الأموال للقاسم بن سلام (54)

[55])) الأموال (54).

[56])) الأموال (ص286، 340).

[57])) وكذا أعطى معاوية أكثر مما يأخذ، الأموال (ص 301).

[58])) طبقات ابن سعد (3/86، 296).

[59])) فتوح البلدان للبلاذري (443)

[60])) أخرجه ابن أبي شيبة (973).

[61])) ابن أبي شيبة 10425، الأموال 676.

[62])) الأموال 677.

[63])) النسائي 4148.

(44)  أخرجه الشافعي في ” مسنده ” (1/325) ، والطبراني في ” الأوسط ” (1290)، والبيهقي في ” الكبرى ” (12978).

اترك ردا