العملات الرقمية

أنت هنا:
< الخلف

بسم الله الرحمن الرحيم

العملة لغة: هي رزق العامل وأجر العمل([1]).

العملة اصطلاحًا: وحدة التبادل التجاري التي توجدها الدُّول وتجد قبولًا عامًا للدفع في السلع والخدمات([2]).

تعريف الإلكترون: هو عنصرٌ أول ثابتٌ ذو شحنة كهربائية سلبية، وهو أحد المكونات في ذرات المادة، وكل ما ينسب للإلكترون من أجهزة فهي آلات تعتمد على هذه المادة في إجراء عمليتها بدقة وسرعة عالية([3]).

تعريف العملات الإلكترونية باعتبارها لقبًا: 

هي وحدة التبادل التجاري التي لا تتواجد إلا بالهيئة الإلكترونية، وهي مشفرة، لا مركزية تعمل بنظام “الند للند”، يتم إدارتُا بالكامل من قبل مستخدميها بدون أي سلطة مركزية أو وسطاء، عبر الوسائط الإلكترونية فقط؛ لشراء سلع عينية أو منافع مختلفة([4]).

– ظروف نشأة النقود: ولدت النقود وتطورت عبر عملية تلقائية غير واعية وتطور غير موجه، فطبيعة السلوك الاقتصادي كانت تأمر الناس باتخاذ وسيط تبادل لتداول السلع والخدمات، وفي مجتمعات أولى كانت أيديهم خفيفة من السلع والخدمات كانت المقايضة المباشرة تفي بحاجة الناس.

استعمل الصينيون المحار وسيلة للتبادل، وفي القديم استعمل الناس أنياب الفيلة والفراء وجلود الحيوانات والزواحف والطيور والأسماك والدواجن.

ولكن لما كانت بسبيل التلف وعدم إمكان تجزئتها في القيم سعى الناس إلى ابتكار سلعة تجمع بين المنفعة والبقاء، فاستخدموا المعادن وسيطا للمبادلات لخصائص مهمة:

كثبات معيارها وسهولة حفظها، وطول عمرها وإمكانية نقلها، وتماثل وحداتها، وصعوبة التزييف وكذلك قابلية تجزئتها، وكانت في أول أمرها تمثل مسؤولية أصحابها الذين نقشوا عليها أسماءهم، ثم وضعت السلطة شعارها عليها لبسط سلطانها عليها وإعطائها الأمان الذي يدعو الناس للتداول بها.

ويجمع علماء “المنمنات”([5]) أن الليديين بآسيا الصغرى (561 – 546 ق م) هم أول من سك النقود المعدنية وقد كان الناس في المجتمعات القديمة يتداولون ، وكانت المعادن أول وسيط في عمليات البيع والشراء حيث استعملت على شكل سبائك، ثم تدخلت السلطات فيما بعد ووحدت الأوزان والمعايير وصادقت عليها بعلامة رسمية ثم تحولت بعد ذلك إلى قطع، وفي عهد الرسول e وعهد الخليفة أبي بكر رضي الله عنه تعامل المسلمون بالدراهم الساسانية الفارسية وفي عهد عمر رضي الله عنه ضرب الدراهم الفضية وسك عليها لا إله إلا الله وحده، وبعضها محمد رسول الله، كما أصدر عثمان بن عفان رضي الله عنه دراهم جعل نقشها الله أكبر، وفي عهد الخليفة عبد الملك بن مروان عربت النقود فأصدر عام (79هـ) دينارًا عربيًا متحررًا من الصور الساسانية والبيزنطية يحمل كتابات عربية بالخط الكوفي، وجعاها أنواعا الدينار وأجزاؤه كالنصف والثلث وكانت من الذهب، والدرهم من الفضة، والفلس من النحاس.

ومع التطور أثبت الواقع صعوبة استمرار التعامل بالمعادن، فظهرت النقود الورقية، ومن المشتهر أنها ابتكار صيني يعود إلى القرن الحادي عشر الميلادي في عهد أسرة “سونغ”، ثم انتشرت إلى إيطاليا وهولندا وبريطانيا، فبدأ الأفراد يذهبون بذهبهم إلى الصاغة لحفظها خزانتهم مقابل ايصال يتعهد الصائغ برد النقود إلى صاحبها وقت طلبه، ومع تكرار المعاملات حظيت بثقة الأفراد وأصبحت تنتقل من يد إلى يد دون حاجة إلى انتقال النقود الذهبية ثم أصبح الصيارفة يقومون بهذه المهمة ثم البنوك وبعد ذلك أصبحت النقود الورقية الزامية وذات قوة ابراء غير محدودة.

ثم لا يثقل عليك هذه المقدمة في تطور النقد، فإننا أتينا به لنعلم أن التطور النقدي ليس شيئا جديدا في تعاملات البشر التبادلية والثمنية، وأن تردد الناس من النقد الطارئ ليس جديدا أيضا، لتستصحب هذا النظر وأنت ترى المحل الذي يسعى النقد للوصول له،

 خصائص النقود الورقية:

ومما قد علم بالضرورة الاقتصادية أن النقود الورقية ليس لها قيمة حقيقية ملموسة، وليست كالنقود الخلقية المعدنية التي تستمد قيمتها من الوجود الطبيعي في الأرض بل إن كمية النقود الورقية متوقفة على إرادة المشرع، ولذلك فهي (نقود ائتمانية) تعهدية من قبل الجهة المصدرة، تستمد قيمتها من اعتماد الحكومة لها، ويكون الأساس الاقتصادي السليم الذي تعتمده الدول في تصدير النقد الورقي هو مساواة النقد لما لديها من موجدات عينية وخدمات اقتصادية، وكلما ازدادت كميات النقود الورقية على ما يعادلها من موجودات عينية وخدمات اقتصادية هبطت قيمة العملة وقوتها الشرائية، فيحصل ما يسمى بالتضخم النقدي، وكلما كان حجم النقود مساويًا لما لديها كان الوضع الاقتصادي سليمًا.

وتتميز هذه النقود بأن إصدارها أقل كلفة من سك العملة المعدنية التي تكون –غالبا- أعلى من تكاليف إصدار العملة الورقية، وهي سالمة من التآكل وسرقة أجزاء منها بواسطة المتعاملين التي تتعرض له النقود السلعية، وأيضا فإن نفقات نقل العملة الورقية أسهل من العملات المعدنية، فهي عملة ذات سيولة تامة وتلم من مزاياها الكبرى، وتبرأ بها الذمم من عهدة الوفاء بصورة نهائية.

وغني عن التنويه أن من عيوبها إمكان التزوير فيها والغش وقابليتها للتلف وقصر عمرها.

ومن النقود الائتمانية النقود الكتابية: وهي عبارة عن القيد في الحسابات التي تحتفظ بها البنوك تسجل عليها اسم صاحبها، ويلزم لانتقال ملكيتها تغيير اسم صاحبها.

النقود الالكترونية: من الضرورة التطورية للنقد أن لا يقف عند حد معين، فظهر شكل جديد من النقود أطلق عليها الاقتصاديون اسم النقود الالكترونية أو النقود الرقمية.

وقد مرت النقود الإلكترونية بثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: النقود الورقية التي تحملها وسائط إلكترونية، مثل: النقد الموجود في بطاقة الائتمان والبطاقة مسبقة الدفع، والشيكات الإلكترونية، ويمثلها: الخدمات الإلكترونية التي تقدمها البنوك([6]).

المرحلة الثانية: النقود الإلكترونية التي قامت بإنتاجها مؤسسات مالية معتمدة في دولها، تحميها وتحدد قيمتها وتضع قوانينها، وتقوم على مراقبتها والتحكم فيها.

ولأن شبكة الانترنت تفتقر لأمرين مهمين: إمكانية التحقق من الهوية، وتكلنوجيا المعاملات، فظل الوسيط بين المتعاملين حاضرا، ولكن يظهر أنه الحل بين أصابع المبرمجين والمعدين، فظهرت المرحلة الثالثة، التي تمثل تكنولوجيا (بروتوكول الثقة)، مرحلة (انترنت القيمة)، حيث ستنتقل الأموال بسرعة انتقال المعلومات.

المرحلة الثالثة: العملات الإلكترونية التي يتم إنتاجها بواسطة برمجة الكترونية دون تدخل بشري، وهي عملة مخفية كما يصفها بعضهم، وهي محل بحثنا.

فعلى حين ضغطة من سوء الإدارات في بعض البلدان واضطراب مصالح الناس واشتداد الأمر عليهم تلفتوا يمينا وشمالا فوجدوا في وسائل الرقابة الالكترونية المجتمعية على الشأن العام مثابةَ ضبط وحياد، ومع تزايد الرقابة المجتمعية ووجود الموازنات مفتوحة المصدر، ونشر الكتب والمقالات الالكترونية، وانتشار وثائق ويكيلكس، واستعمال الناس لوسائل التواصل، وبروز فكرة البنوك الالكترونية؛ اغتذت التدخلات الشعبية وتنادى الناس لمزيد من الحياد والاستقلال! حتى فغرت الوسائل الإلكترونية فاها ليكون لها نصيب في تعدين الذهب الرقمي!([7]) وخلق النقود وإصدارها بعيدا عن البنوك المركزية([8]).

  • الحقيقة الفنية للعملات الرقمية (البيتكوين نموذجا):

ابتدأ موقع Silk road في الشهر الثاني من عام 2011

والبلوك تشين تقنية اخترعت في عام 1991، في مجال التوثيق الإلكتروني وأمن المعلومات، في إطار توثيقي زمني للمستندات الرقمية، فهي تقنية للتخزين والتحقق من صحة وترخيص التعاملات الرقمية في الإنترنت بدرجة أمان عالية. ويتم تحديث البلوك تشين دوريا بالصفقات التي تعقد على شكل كتل (Block)، تضاف هذه الكتل كل عشر دقائق مما يحجز دون أي محاولة للاختراق.

فهي شبيهة بدفتر محاسبي يتم التعامل معه بسرعة كبيرة، ويكون موزعا بين عدد كثير من الناس، فليس هناك طرف ثالث مركزي تكون لديه قاعدة بيانات بلوكتشين، بل هي مخزنة بشكل متكرر في كل الأجهزة التي تستخدمها، عند كل منقب، أو مستخدم قام بتحميل كل بيانات بلوكتشين. وهذه الخاصية تجعل التلاعب في البيانات صعب جدا إن لم يكن مستحيلا.

ويمكن الإضافة عليه دون تعديل المعاملات السابقة، وهذا الدفتر مقسم لعدد من (البلوكات) يضم كل بلوك منها عددا من المعاملات، وكل بلوك يحتوي على مرجع مشفر للبلوك الذي يسبقه، ويمكن تتبعه.

ولأن للبلوكتشين قاعدة بيانات موزعة (مكررة) وليس لها جهة مركزية تثبت العمليات، فإن أي تعامل على البلوك تشين، كتحويل مبلغ من العمليات الرقمية أو نقل ملكية لعقار ما على (البلوك تشين) يحتاج الى مصادقة (تحقق أو توثيق) من المتعاملين، أو ترك ذلك متاحا لأي متعامل كما في حال البتكوين صحة المعاملة على موافقة الغالبية بأن العملية صحيحة.

وهذه التقنية تستعمل في أغراض كثيرة، وتستند عليها كثير من الأعمال الالكترونية، ومنها عملة (البتكوين).

ففي عام 2009 أعلن عن هذه العملة، بعد ظهور بحث لشخص ذي اسم مستعار (ساتوشي ناكاموتو) ([9]).

و(البتكوين): أشهر العملات الإلكترونية، ولذا اطلقت المقالة عليها، وتتكون من ثلاثة أركان:

  • وحدة العملة، ويرمز لها في الأسواق المالية بـ” BTC”، وتتجزأ إلى وحدات أقل.

  • الشبكة الإنترنتية “البروتوكول” التي تعتمدها هذه العملة في الإنتاج والتعامل.

  • البرامج المساعدة في التعامل بها([10]).

وهي وحدات رقمية مشفرة معماة، ليس لها جهة إصدار، وليس لها طبيعة مادية، أو حسية، وليس لها قيمة أو منفعة ذاتية، وهي تختلف عن العملات ووسائل الدفع الإلكترونية (مثل باي بال وغيرها) بعدم وجود وسيط ضامن لها ينظم عمليات التبادل وبعدم ارتباطها بأي عملة محلية (نقد حكومي).

فهي عملة رقمية مشفرة بدرجةٍ عاليةٍ من الدقة؛ من أجل حماية التعاملات التي تجرى بها، وأهمها ما يسمى الإنفاق المزدوج، الذي “يوجد نقودًا من لا شيءٍ، كما سيأتي بيانه”، أو من أجل التحكم في عملية إنشاء وحداتٍ جديدةٍ؛ فلا يتم ذلك بسهولةٍ، أو من قبل أي أحدٍ؛ من أجل تجنب عمليات التزييف([11]).

تتكون عملة  (Bitcoin)من عنوان رقمي مربوط بمحفظة اليكترونية وكل بيتكوين مقسم لمائة مليون ساتوشي، ويتم الحصول على وحدات البتكوين من خلال منصات بيع بالعملات المحلية، أو بشرائها ممن يملها، أو بمقابل السلع والخدمات، أو بواسطة التنقيب والتعدين بحل مجموعة معادلات رياضية عبر تقنيات وبرمجيات وليس بشكل يدوي، يتبع ذلك مصادقة للتحقق من صحة العملية وامتلاك المتعامل لرصيد كاف من البتكوين قبل التحويل، ومن ثم اثبات انتقال الرصيد من المرسل الى المستقبل.

عند شرائك لسلعة ببيتكوين واحد فإنك ستحول البيتكوين بضغطة زر إلى محفظة البائع وسينتقل البيتكوين إلى محفظته، والمحفظة هي تطبيق اليكتروني. عندما يريد أي شخص تحويل قيمة معينة من البيتكوين إلى شخص آخر فإنه يستخدم ما يسمى بالتوقيع الرقمي وهذا التوقيع يحتوي على ثلاثة أمور: لأول: رسالة التحويل، والثاني: الرقم الخاص بالبيتكوين، والثالث: العنوان المعلن للشخص الذي سيستلم البيتكوين عندما يتم تحويل بيتكوين إلى محفظة أخرى فإن التحويل يذهب إلى شبكة البيتكوين ويدخل في عملية التأكد ويتم حفظه في سلسلة البلوكات (BlockChain).

مفهوم التعدين: إن عمل المعدِنين يشبه عمل الصرافين الذي يقومون:

  • بفحص النقود الورقية أو الشيكات لدفع التزوير والإنفاق المزدوج.

  • والتأكد من التواقيع وأرقام الحسابات وهويات العملاء لدفع الانتحال.

  • والتحقق من السيولة للدعم التحويل.

وللتعدين طريقتان:

  • التعدين الشخصي”Solo mining“: بأن يبني المعدِن حاسبه الآلي بالقطع اللازمة لعملية التعدين، وتركيب البرامج المساعدة، وإعداد محفظة ليستقبل العملات الناتجة من عملية التعدين، وفي هذا النوع يكون ما يكسبه المعدِن ملكًا خالصًا له، وهذه الطريقة قليلة جدًا؛ لتكلفتها العالية وضعف المردود منها.

  • التعدين الجماعي” Pool mining“: بأن تقوم شركة كبيرة ببناء حواسب ضخمة ذات قدرة هائلة، ثم تؤجر الراغبين بالمشاركة جزءًا من قدرات هذه الحواسب “Value of power” عن طريق موقعها الإلكتروني، وبحسب القدرة المستأجرة يكون النصيب من المكافأة، وهذا الأشهر، والأكثر مردودًا.

فالتعدين: عملية رقابية إلكترونية تقوم بها أجهزة المعدِنين على عمليات تحويل عملة “بيتكوين”، بالتحقق من شيئين:

  • التوقيع الالكتروني، للتأكد من عدم سبق إنفاق هذه العملة انفاقًا مزدوجًا، وذلك بالدخول إلى ما يسمى بـ”Block Chain”، وهو عبارة عن سجل إلكتروني موحد يحتوي على سلسلة من كُتل معلوماتٍ تتضمن جميع التحويلات السليمة لعملة “البيتكوين” في العالم منذ إنشاء العملة وبداية تداولها، فتقوم عملية التعدين بمطابقة عملية التحويل بالسجلات لمعرفة ما إذا تم تكرارها أم لا.

تقنيا ينشأ عن عمليات تحويل البتكوين قيم رياضية يجب تجميعها معا بواسطة خوارزميات  محددة مسبقا، هذه الخوارزميات تولد وسما Hash مختلفا كل مرة ويتوجب تكرار العملية مرات عديدة حتى الوصول الى وسم تتحقق فيه صفات محددة وفق قواعد البتكوين. هذا الوسم عبارة عن قيم البلوك الحالي مع وسم البلوك السابق مع رقم خاص مميز ينتج عن التجربة والتخمين، ونظرا لأن معلومات البلوك الحالي ووسم البلوك السابق متاحين للجميع، فما يقوم به المنقبون هو تجميع عمليات حالية و تخمين الرقم للوصول إلى القيمة المطلوبة التي تتوافق مع القواعد الرياضية المحددة مسبقا وفق تصميم البتكوين، وحاليا يجد شخص ما هذا الوسم كل عشر دقائق تقريبا. ويجري التحقق من صحة الوسم بعد اكتشافه وهو ما يسمح للمنقبين الآخرين من كشف أي محاولة تلاعب بهذا الخصوص.

ويستخدم البتكوين مفتاحا مرمزا يستعصي على الاختراق لتكونه من رمزين –خاص وعام-، ويسجل العام في قاعدة بيانات البلوكتشين (Block chain)  متاحا للجميع، وأما الرمز الخاص فبين طرفي الصفقة، فهي عملية لا تحتاج لوسيط، بل الند للند / peer to peer.

  • كل عملية تجرى تقوم شبكات الحواسب بتأكيدها، وهو مما يوثق شأن هذه العملية بين الأطراف المتعاقدين الذين لا يعرفون بعضهم([12]).

وفائدة عملية التعدين: توثيق عمليات تحويل عملات البيتكوين السابقة التي جرت في الشبكة خلال العشر الدقائق السابقة، ورفض الزائف منها والمكرر، والإبقاء على الصحيح، وتسجيله في السجل الموحد: “Blockchain”.

ويقوم المعدِن بتسجيل كتلة معلومات “Block” في السجل الموحد، وتحتوي على:

  • توقيع الكتلة السابقة لربطه بها.

  • لائحة التحويلات الصحيحة خلال 10دقائق.

3- توقيع للكتلة الحالية ليتم ربط الكتلة التالية بها، وهذا التوقيع يجب أن يكون فريدًا وناتجًا حسابيًا من توقيع الكتلة السابقة، ولذا يحتاج المعدن إلى أجهزة حواسب آلية عالية القدرة، وفائقة السرعة للوصول إلى الحل بشكل أسرع من بقية المعدنين.

وأول مُعَدِنٍ يقوم بعملية التعدين كاملةً باستحداث الكتلة المكونة من الثلاث الأجزاء وإدراجها في السجل الموحدBlockchain تقوم شبكة “بيتكوين” إلكترونيًا بمنحه عملات “بيتكوين” تضاف إلى محفظته الإلكترونية.

وشبكة “بيتكوين” مصممةٌ برمجيًا لتنظيم عملية التعدين، بحيث لا ينجح إلا تعدينٌ واحد كل عشر دقائق، مهما كثر عدد المعدنين أو بلغت قوة أجهزتُهم، مع أن عمليات التنقيب هذه تحتاج لأجهزة حواسيب متطورة وتستهلك طاقة وتكلفة عالية.

وتقوم الشبكة بتقليص عدد المكافآت الممنوحة للمُعَدِنين كل أربع سنوات إلى النصف ابتدأت بمنح 50 عملة بيتكوين، بحيث تتوقف الشبكة تلقائيًا عن منح المكافآت، ومن ثَّم يتوقف استحداث العملات، إذا وصل عدد عملات “البيتكوين” في الشبكة إلى 21 مليون عملة “بيتكوين ،”وذلك عام 2140م، ولأن عدد وحدات البتكوين محدودة، فهي تنخفض بشكل تدريجي، وتتغير صعوبة إيجاد الوسم تلقائيا وفق قواعد ثابتة لتجعل متوسط الوقت المطلوب لإيجاد كل بلوك حوالي 10 دقائق تقريبا، ويهدف ذلك للحد من التنقيب السريع والمحافظة على بيئة تنافسية بين المنقبين ولمنع احتكار جهة واحدة للعملية، ومن يثبت صحة مجموعة من العلميات ويجمعها ضمن بلوك يحصل على عمولات التحويل لكل العلميات، وأما بقية من حاول الوصول ولم يصل للبلوك فيذهب جهده بلا مقابل.

وفائدة جعل حد ثابت للعملة هذه: لتكون غير قابلةٍ لهبوط القيمة بسبب زيادة الإنتاج كما يحصل لو حصلت طباعة عدد ضخم من النقود الورقية([13]).

فالتنقيب والتعدين الرقمي إذن: محصلة لعمليات المصادقة إلى أن يصل عدد وحدات –إلى واحد وعشرين مليون وحدة – فيتوقف التنقيب، ولكن سيستمر “المنقبون” بالقيام بعمليات المصادقة وتشكيل البلوكات بهدف الحصول على عمولات التحويل.

– مما لا يحسن أن يفوت أن خصائص البتكوين، كما هي الآن أقرت عند الإنشاء بأغلبية المنقبين، ولا يمكن أن تتغير إلا بإرادة وموافقة أغلبية المنقبين.

– ويمكن لكل فرد أو جهة أن تقوم بالتنقيب من خلال تطبيقات البتكوين المبنية على تقنية بلوكتشين، وهي عملة ذات بيانات مفتوحة (Block chain) وهو بمثابة ثبت حسابات ضخم، يسجل فيه كامل العملات والصفقات التي تتم، فيقيد فيه: الصفقات التي تمت، ومالكها، والكمية المملوكة وهي متاحة لجميع الأجهزة المرتبطة بشبكة البتكوين، تجتمع العملات الرقمية في محفظة تقتنى من أي بريد إلكتروني، فيسمح للفرد بإدارة أكثر من محفظة، وهي أنواع: فمنها محافظ الحاسوب تمكن مستغلها من إرسال واستقبال العملة المشفرة، وزمنها: محافظ الهاتف وهي تشابه إلى حد كبير محافظ الحاسوب، ومنها محافظ الويب وهي تتميز بحفظ الرقم السري مما يضمن له عدم فقدان المحفظة الموجودة في الحاسب، وإن كانت تعني وجود خطر اختراق أمني بسرقة معلومات المحفظظ، ومنها المحافظ المميكنة، وهي عبارة عن أجهزة صغيرة لا تستعمل إلا في المحافظ وهي آمنة إلى حد كبير.

  • ميزات العملات الرقمية الحديثة على التقليدية:

  • سهولة التداول، فالتعامل يجري مباشرة بين الأطراف من الند للند بدون تدخل وسيط، مما يتيح الدفع والتحويل دون حدود ومقدار.

2- غياب السلطة المركزية لإدارة العملة، وتنقيبها والمصادقة عليها وتنفيذ المبادلات بواسطتها.

3- تحلل العمليات التي تجرى بواسطتها من الضرائب، وإن كانت غير سالمة من رسوم التحويل، ولكنها رسوم المنخفضة، وفائدة هذه الرسوم: منح أولوية في عملية معالجة هذه المعاملة من قبل المعدنين، فتحصل المعاملة على التوثيق بشكل أسرع، بخلاف التحويل الورقي، ففيها جهد بشري، يرفع من رسومها.

4- يمكن أن تنقسم إلى وحدات صغيرة بغير حد، فيستطيع المتعاقد أن يتعاقد على عمل بتكلفة هللة يمكن سدادها بقيمتها من البيتكوين! كقراءة صفحة واحدة من كتاب!.

5- سرعة نقل الأموال وتوثيق العمليات([14])، والحاجة لمثل هذه المزية قائمة في الشأن المالي والتجاري على غاية ما يكون، وحوادث الانهيارات لبعض المؤسسات المالية التي تحتاج لدعم نقدي في أوقات الإجازات الأسبوعية مثال نموذجي للحاجة لمثل هذ التقنية التي تنقل بها الأموال في ثوانٍ.

6- التخفف من التكلفة المصرفية، تكاليف المباني والصرافات والحماية ونقل الأموال ونحوها وخفض الرسوم على سحب الأموال، واخسائر اختراقات عصابات الجرائم الالكترونية على البنوك، التي لا تنشرها المصارف مع عظمها حتى لا تتأثر ربحيتها.

7- توفير تكاليف طباعة النقود، فالدراسات تثبت أن أكثر الأفراد في دولة كالولايات المتحدة لا يحملون في محافظهم أكثر من 50 إلى 60 دولار.

8- أن تعديل الأنظمة والبرتوكلات المنظمة لها يوجب موافقة أغلبية المستخدمين على التعديلات المقترحة، وهو ضمانة عاصمة من سيطرة بعض المستخدمين، حتى لا يستعملها في مصلحته.

9- أنها ممر آمن لقيمة المال في البلدان التي يتراجع فيها سعر الصرف للعملة المحلية، ويخشى أصحابها من تراجع قيمة أموالهم مع التضخم عند إيداعها بمثلها في البنوك([15]).

ومن خلال ما سبق فالفرق بين العملة الإلكترونية والنقود الورقية:

1- الوجود الفيزيائي: فالنقود الورقية محسوسة، بخلاف الإلكترونية، فهي عملة افتراضية.

2- الإنتاج: فالورقية تنتجها وتطرحها جهات معنية في الدولة “كالبنك المركزي”، بينما العملات الالكترونية تنتج برمجيًا بواسطة مبرمجين أو أفراد عاديين بواسطة  “التعدين”.

  • التحكم: فالورقية تتحكم بنشرها وقيمتها الدولة المصدرة، ويقع على عتقها مراقبة حركتها في السوق، بخلاف الإلكترونية، فإنها تتم بين طرفين، دون تدخل وسيط.

 الاعتراف بالعملة الرقمية: في عام 2012 منح الاتحاد الأوروبي رخصة بنكية لأول مؤسسة صرف أوروبية لعملة البيتكوين، وأصدر القضاء في ولاية تكساس الأمريكية عام 2013م حكمًا باعتبارها من المال الذين يمكن استخدامه والاستثمار فيه، كما اعترفت وزارة المالية الألمانية بها، واعتبرتها من المال الخاص، وفرضت الضرائب على حيازته، وأقيم أول جهاز صراف في ولاية ساندييغو الأمريكية لشراء عملة “البيتكوين” وصرفها للدولار([16])، وأخذ في بعض الجهات الخيرية للتبرعات، وقبلت بها بعض الدول لدفع الرسوم الحكومي، مثل سويسرا في عام 2016م، وهي أول حكومة تتعامل بها رسميًا، وقد أنشأ بنك (goldman sach)  العملاق مكتبا لتداول العملات الرقمية برأسمال 50 مليون دولار، وصرح رئيس مجلس الإدارة، والرئيس التنفيذي (تيري دافي) لمجموعة  (CME)  أن مشغلي منصات تداول الأصول يمكن أن تضيف منتجات عقود البيتكوين الآجلة، واعترفت ألمانيا بها، وسمحت اليابان باستخدام عملة (البيتكوين)، والآن بعد أن كانت روسيا تعاقب متداوليها، أصدر بوتين عدة أوامر رئاسية للسيطرة عليها، وكشف عن مركز للتعدين، وأستراليا مركز للمضاربات، وأُعلن عن قرب إصدار عملة رقمية محلية، والولايات المتحدة تخطط لإصدار الفيدكوين، والاتحاد الأوربي يخطط لإصدار اليوروكوين.

  • حكم تعدين العملات الإلكترونية، وحكم المتاجرة بالأدوات الخاصة بها:

هناك ثلاثة مسالك في حكم العملات الرقمية: القول بالتحريم:

قالوا: الحكم الشرعي في هذه العملات ليس متعلقا بمادة البتكوين إن كانت من حديد أو ورق أو رقما الكترونيا، فليس المهم الشكل أو المادة وإنما المهم والمعتبر تحقق معنى وحقيقة النقد بأن يكون معيارا ومقياسا لما يتعامل به، ولا تكون هي مقصودة بالبيع والشراء مثل السلع. كما قال الإمام ابن تيمية: (الدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها بل هي وسيلة إلى التعامل بها، ولهذا كانت أثماناً بخلاف سائر الأموال، فإن – هذه اللأموال – المقصود الانتفاع بها نفسه) والعملات في الدول اليوم لا تعتمد للتداول إلا باعتماد بنوكها المركزية .

– فمن المناطات التي قد يعلق عليها القول بالتحريم: وقد سبق معنا أن الاقتصاديين يفرقون بين النقود السلعية والنقود الائتمانية.

أن هذه العملة لم يتبين هل هي نقد له غطاء من أي نوع (سلعي، أو حق مالي) أم هي نقد ائتماني، أم منفعة ذات قيمة أم هي منفعة ذاتية خلافا لقيمتها ومنفعتها التبادلية؟ ([17]).

– من المناطات التي قد يعلق عليها المنع: أن (البتكوين) وغيرها من العملات الرقمية يمكن تبادلها مقابل عملات رقمية أخرى، وغالبا لا قيمة لها لولا إمكان تحويلها لعملة حكومية، وهنا ثلاثة إشكالات في هذا الباب:

1- هل لهذه العملات قيمة لو لم يمكن تحويلها؟

2- ما هو الأساس في تقييم البتكوين وتسعيرها، هل هو مجرد العرض والطلب؟ وهل يختلف عن المقامرة؟

3- إذا علمنا أن لدينا ثلاثة مصادر للثمنية أو النقدية: القبول العام (العرف)، الاعتراف الحكومي بذلك العرف الذي يضع لها القبول في الأرض! ويكسبها الثقة، وأقوى منه الإصدار الحكومي (السك السلطاني للعملة)، فما هو مصدر النقدية والثمنية في البتكوين؟ فإننا نعلم أن ليس لها قيمة ذاتية، ولم تصدرها الدولة.

– ومن المناطات: أنه قد يغلب عليها أمور إضافية غير ذاتية تحرمها؟،كغلبة العمليات غير المشروعة التي تتم بواسطتها كالتبادل في تجارة المخدرات، بحيث تصبح سمة لها، لما فيها من السرية والسرعة التي تجعلها طريقة آمنة لذلك، ومنها العقود التي تتم من خلالها المضاربات، وعقود مجموعات التنقيب، فإن الحكم الشرعي يجب أن لا يشمل ذلك، فإن مثل هذا أمر إضافي يدرس على حياله.

– ومن المناطات: عظم درجة المخاطرة المحيطة بهذه العملة، والحدية في ارتفاعها وانخفاضها، فإذا كانت من الصفات اللازمة لها فهل يحرمها ذلك؟ أم أن تلك التقلبات شيء عارض بسبب دخولها في سوق المشتقات وتسوية المدفوعات كما حصل في عدة مصارف عالمية كبيرة، فهل العيب في الوسيلة أم في طرق استعمالها.

وأيضا فإننا في جانب التكنولوجيا في ظل التطور المتسارع على هذا الصعيد لا نستطيع الجزم بما سيحدث في المستقبل، وهذا من المخاطر التقنية التي تواجه العملة الرقمية المشفرة لأنها قائمة على التكنولوجيا المتجددة في تطورها.

ومن وجوه المخاطرة: الأخطاء التقنية التي قد تقع لموقع الصرف والتعامل، وموقع التعدين، وقد توقفت أكبر شبكة إلكترونية يابانية عن صرف عملة البيتكوين؛ لكثرة الأخطاء التقنية، وأعلنت إفلاسها، مما يجعلها تفتقد أهم خصائص النقود، ألا وهو اعتبارها مخزنًا للقيمة([18]).

ومن وجوه المخاطرة؛ أن أي منظمة قادرة ماليا فإنه يمكنها الاستثمار في الأجهزة الخاصة بالتنقيب للتحكم في نصف قدرة شبكة العملة الإنتاجية، وربما استطاعت حظر أو عكس المعاملات الأخيرة، على أن هناك من يقول: أن هذا مما لا يمكن لأنه لابد أن يكون لديهم استثمار مساو لما يقوم به جميع المنقبين حول العالم([19]).تتعرض سعر البيتكوين للتذبذب ومن أسباب ذلك: الهجمات الإلكترونية وانتشار الفيروسات الخطيرة وإغلاق متاجر كبيرة تبيع البيتكوين.

– ومن المناطات للقول بالمنع: أنها عملة ائتمانية لم تأخذ جواز رواجها وصحة التعامل بها لصدورها من جهة معينة ضامنة لها ضرورة، وتخلف مثل ذلك موجب للتحريم.

– ومن المناطات: أن البتكوين لم تقم بوظائف النقود كاملة، فإن النقود وحدة قياس لقيم السلع والخدمات، وهي وسيط للتبادل، وبمجرد أن يصبح النقد مقياسا للقيمة ووسيطا للتبادل؛ فهي معيار ووسيلة للمدفوعات المؤجلة، وهي مخزن للقيمة ومستودع ومقياس للقيم لها يستطيع أن ينفقها حاملها عبر الزمن للحصول على السلع والخدمات، فهل هذه الوظائف هي الوظائف التي يمكن أن تحدد صحة ثمنية نقد ما؟

ولتتضح مسألة خزن العملة للقيمة يضرب له مثال: فلو تبادل اثنان ثيابا بطعام؛ لكانت مقايضة لا تصل لمرحلة النقدية، لكننا لو فرضنا أن نوعا من الطعام أصبح وسيطا يبادل بأي سلعة أخرى، ثم أصبح الناس يحتفظون به لوقت حاجتهم، لا بوصفه طعاما بل بكونه وسيطا يباع ويشترى به، لكان في حكم النقود، وهذا ما فطن له الإمام مالكٌ حين قال: “ولو جرت الجلود بين الناس مجرى العين المسكوك، لكرهت بيعها بذهبٍ أو ورقٍ نظرةً”([20]).
وربما ظهر بهذا المثال الفرقان بين ما له قيمةٌ حقيقيةٌ في ذاته ثم جرى عرف الناس على اعتباره مالًا يباع ويشترى به؛ فإن قيمته بوصف النقدية مقارنةٌ ومقاربةٌ لقيمته الحقيقية ليست منفكةً عنه تمام الانفكاك، وبين ما ليس له قيمةٌ في ذاته كالورق النقدي أو العملة الإلكترونية؛ وربما كان هذا الفرق مؤثرا في قياس ما جعله الناس وسيطًا نقديا وليس له غطاءٌ قيمي حقيقي كالورق النقدي، بما قبل الناس التعامل به وتعارفوا على بذله في الأثمان وهو ذو قيمةٌ حقيقية في ذاته([21]).

– ومنها: أننا لو فرضنا هناك تحقق ثمنية هذه العملة فإنها مقدوح في كفاءتها، (فوت الكفاءة لا يلغي الثمنية، حتى إذا رأينا أن عدم استقرار عملة معينة -ائتمانية أو غيرها، أو لو رأينا عدم استقرار ما هو أشمل من ذلك كالأسهم؛ لم يعد ذلك بالضرورة على ثمنيتها بالإبطال).

ومنها: أن قدرة الناس على صناعة نقدهم قد يفسد النقود والأثمان.

ومنها: أن في هذه العملة وجه من وجوه المقامرة، فتذبذب أسعارها يقترب بها من المقامرة المحرمة شرعًا، ويدخلها القمار من جهة أن الذي يحصل على الوحدة شخص واحد ويخسر بقية المنقبين والمعدنين؟

ومنها: أن خلق النقود من دون رصيد يغطيها من الذهب والفضة أو غيرها من المعادن، يصنع نقدا وهميا،

(وهل يعده الاقتصاديون مشكلة اقتصادية؟ وهل لخلق النقود غير المغطاة بالذهب والفضة أثر في حكم العملات الرقمية، باعتبارها غير مغطاة أيضا؟)

إن المسارعة إلى القول بحكم في هذه العملات الرقمية، ربما لا يكون لامتلاك فهم جيد للنازلة، بل ربما لضعف الإمكانات، إمكانات الاستيعاب وإمكانات امتلاك التقنية([22])، ولذا سنأتي على حجج من حجج المانعين ومناطات من مناطاتهم، ما هو بسبيل عدم تصور القضية لغموضها عليهم، مما كان قاضيا بالتوقف في الحكم لا بالبت بالتحريم، وسنأتي لأخرى سيظهر أنها مناطات لا دليل على ثبوتها، ولا على كونها من خصائص النقد في الشريعة، وأخرى هي محل بحث ومداولة.

  • المسلك الثاني: مسلك المجوزين:

كيف بعض الباحثين عملية التعدين بأنها: عقد جعالة، فالتعدين في حقيقته: عملٌ معين يأخذ العامل في مقابله مكافأة، وهو توثيق العمليات المالية الجارية في شبكة العملة الإلكترونية خلال عشر دقائق.

والجعالة هي: تسمية مال معلوم لمن يعمل للجاعل عملًا مباحًا، ولو كان مجهولًا، أو لمن يعمل له مدة، ولو كانت مجهولة([23]).

وهذا التعريف يتحقق في عملية التعدين، فتسمية المال المعلوم: هو ما تحدده شبكة العملة الإلكترونية “البيتكوين” من منح (0٥) عملة للمعدِن، ثم تنخفض للنصف كل أربع سنوات.

والجاعل: شبكة العملة الإلكترونية التي تمنح المال المعلوم “العملة”، لأول من يقوم بالعمل.

والعمل المباح: توثيق التعاملات بالعملة الإلكترونية الصادرة خلال عشر دقائق، وهذا عمل معلوم المدة.

وعلى القول الراجح بأن الجعالة عقد مشروع([24])، فيكون التعدين جائزًا باعتباره عقد جعالة، ويستحق المعدِن الجعل بتمام العمل.

  • المسلك الثالث: التوقف في المسألة:

    (إن المتأمل في حرص الشريعة الإسلامية البالغ على التقابض في مجلس العقد، لا سيما إذا ما تبودل مالٌ بمالٍ، ليجد معجزةً من معجزات الشريعة الإسلامية؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور الذي يعد أهم حديثٍ في باب الربا: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثلٍ، سواءً بسواءٍ، يدًا بيدٍ؛ فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدًا بيدٍ )).

    فالتقابض هو الوسيلة الفعالة الصلبة لمنع هذه العملية، أعني: خلق النقود، creation of money  ، والتي تحدث حينما يتبادل الذهب والفضة- وهما اللذان يعدان أساس الأموال، وهما النقدان الوحيدان في الشريعة الإسلامية- من خلال وعودٍ بين المتبادلين، حتى ولو كانت هذه الوعود موثقةً على أوراقٍ، أو من خلال تبادل سندات الملكية للذهب أو الفضة، وتلك الوعود الموثقة أو سندات الملكية هي ما عرف بعد ذلك بالأوراق النقدية.

    فالربا تمنعه المماثلة، وخلق النقود يمنعه التقابض، كما نص على ذلك الحديث السابق، وهاتان العمليتان- وهما الربا وخلق النقود- مرتبطتان ارتباطًا وثيقًا بعضهما ببعضٍ، فلا يتحقق التقابض الذي يمنع الربا إلا إذا كان المال حقيقيا، فالربا وخلق المال هما أساس خراب الاقتصاد العالمي ومشاكله المتعددة، وأساس اختلال التوازن الذي خلق الله جل وعلا عليه الكون، ووزع الأرزاق؛ فإن الله جل وعلا رزق بعض البلاد بالذهب، وبعضها بغير الذهب، فإذا ما صنع ذهبٌ- أو نقدٌ- من لا شيءٍ، اختل هذا التوازن وهذا العدل الإلهي، وحل مكانه الظلم الذي يمارسه القوي الذي لا يؤمن بالله، ويتمرد على سلطانه: {كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى} [العلق: 6، 7].

    وخلق المال يمنح فرصةً لإيجاد مالٍ وهمي ليس له أي غطاءٍ، بل، وكما هو الحال في العملة الإلكترونية المشفرة، يمكن العدد المحدود الذي يمتلك مهارات خلق المال من الحصول على الثروة، وربما احتكارها،)([25])

(وعلينا أن نتثبت من هذا التعهد، وهل هو مجرد تعهدٍ أدبي، أم تعهدٌ ملزمٌ من خلال تبعيته لقانونٍ مستقر ومعترفٍ به.
هذا من ناحيةٍ، ومن ناحيةٍ أخرى: لا بد أن يكون سعرها متناسبًا مع سعر الذهب؛ حتى نتحقق من مصداقية هذا الغطاء، وإذا كان الأمر كذلك فيجب الامتناع عن التعامل بها بصورةٍ تفصل بينها وبين الذهب الذي يغطيها من خلال المزايدة في سعرها؛ فأسعار الذهب وإن كانت تتغير إلا أنه تغيرٌ محدودٌ مقارنةً بالزمن المستغرق لتغيره، فإذا ما تذبذب سعر هذه العملات بشكلٍ كبيرٍ وفي زمنٍ قصيرٍ، دل ذلك أولًا على عدم وجود غطاءٍ حقيقي لها من الذهب، وكذلك أصبح القول بحرمة التعامل بها متعينًا؛ وذلك لاقتراب ذلك التعامل بها بيعًا وشراءً من المقامرة المحرمة، كما ذكرنا سابقًا).

– الأحكام المترتبة على أصل حكم البيتكوين:

– شراء الآلات الخاصة بهذا العمل: لاشك أن الحكم بجواز ذلك أو عدمه مبني على حكم التعدين في ذاته، وعلى قول المجوزين: فهي جائزة؛ إذ هي آلات مباحة، تستخدم في أغراض حوسبية مختلفة، ولا يتم عمل التعدين إلا بها، وما لا يتم الجائز إلا به فهو جائر([26])، فهذه حكم التعدين الشخصي.

أما التعدين الجماعي: فالمعدِن فيه يستأجر منفعة حواسيب آلية ضخمة ليستطيع الحصول على جزء من العملة الإلكترونية “البيتكوين” التي تقوم هذه الحواسيب بمحاولة كسبها كمكافأة على التعدين، فيكون العقد بين المعدِن وبين الشركة عقد إجارة، إذ الإجارة: عقد معاوضة على منفعة مباحة معلومة([27]).

فالمعدِن “المستأجر” يدفع أجرًا محددًا للشركة “المؤجرة” التي تملك الحواسيب ليقوم بتشغيل الجزء المستأجر منها لتنفيذ عملية التعدين “المنفعة”.

وأما اشتراك المعدِن مع غيره في التعدين عن عملات البيتكوين فهو اشتراك في الجعالة، فالمعدنون يستأجرون قدرة الحواسيب، ثم يتقاسمون ما ينتج عن عملية التعدين بحسب ما يملك كل واحد منهم من قدرة الحواسيب المستأجرة.

وعلى الراجح بأن الاشتراك في عقد الجعالة، إن لم يعين الجاعل عاملًا، أن الاشتراك يكون بنسبة العمل وكلفته لكل منهم([28])، وعليه فإن اشتراك المعدنين في العمل على اكتساب عملات البيتكوين من عملية التعدين هو من الاشتراك في الجعالة من غير تعيين العامل، فالعمل مباح باعتباره جعالة، والاشتراك فيه مباح، ومقدار عمل كل واحد منهم محدد ابتداءً، وفي حال اكتسابهم لعملات البيتكوين تقسم بينهم بحسب قدرة الحاسب التي استأجرها.

 

زكاة العملات الرقمية: إذا تقرر أنها مال، فإن الزكاة واجبة فيها، لدخوله في مسمى المال الذي تجب فيه الزكاة، وأما مقدار نصابها، فيأخذ نفس الاختلاف في زكاة النقود الورقية، هل يقدر نصاب الذهب لرواجه وعدم كساده، أم بنصاب الفضة لأنه الأحظ للفقراء، خلاف بين المعاصرين.

  • جريان الربا فيها: يجري الربا فيها على القول بأن علة الربا في الذهب والفضة: مطلق الثمنية؛ لأنها يتحقق فيها الرواج والاشتمال على وظائف الثمن، وهي أقرب شبهًا بالذهب والفضة من الأوراق النقدية؛ إذ انتشارها غير محدود قبولًا وتعاملًا، وعليه فيشترط فيها التماثل والتقابض، وحقيقة التقابض فيها يكون حكميًا، حين تسجل عملية التحويل أو الدفع في السجل الموحد، وتظهر العملة رقمًا في المحفظة الإلكترونية الخاصة بالمحول إليه، كما هو الحال في القيد المصرفي في المعاملات البنكية([29]).

أحكام الصرف في العملات الرقمية:

الأدلة متوافرة على جواز بيع الأثمان بعضها ببعض إذا توفرت شروط الصحة في البيع وهو ما يعرف بالصرف، وشرط القبض مجمع عليه([30])، وإذ تقرر أن العملات الإلكترونية أثمان قائمة بذاتها، فيجري فيها أحكام الصرف، وهي بذلك تطابق النقود الورقية، فحكم الرقمية كالورقية، عند اختلاف الأجناس، فإن العملة الرقمية متعددة الأنواع، كعملة “البيتكوين”، وهي أولها، وعملة “ايثريوم” ورمزها” ETH”، وعملة “لايتكوين” ورمزها” LTC”، وغيرها.

حكم الصرف في مثل العملة الإلكترونية:

  • إذا كان بجنسها: يشترط فيه التقابض والتماثل.

  • إذا كان بجنس ثمني آخر سواء كان عملة الكترونية أخرى أو عملة ورقية أو ذهب وفضة: فيشترط فيه التقابض فقط.

وسبق بيان أن التقابض في العملات الإلكترونية تقابض حكمي، وعملها لا يزيد عن عشر دقائق، وهي فترة توثيق العملة التي يقوم بها المعدنون وذاك زمن مغتفر، كما قرر المجمع الفقهي في مسألة تأخير تسجيل عمليات التحويل في القيد المصرفي لمدة يومين واشترطوا لصحة ذلك:

  • وجود القيد الأولي عند التعاقد، ولا يكتفى بالتعاقد الشفوي.

  • أن لا يتصرف المستقبل للمال به خلال هذه المدة حتى يثبت أثر القيد المصرفي بإمكان التسلم الفعلي.

  • مراعة بقية ضوابط الصرف([31]).

 وجواز ذلك في الرقمية أولى؛ لأن الوقت أقصر، وإنما هو لإثبات صحة وتوثيق العملية، فهي أشبه بفحص المال إذا سلم لم يفحصه، قبل تسليمه.

  • ومن الأحكام الفقهية المتعلقة بذلك: ثبوت حكم السرقة لمن انتهك المحفظة الرقمية وسرق نقودها:

ولمعرفة حكم ذلك فلابد من المرور على شروط السرقة للإحاطة بحكم هذه المسألة؛ وشروط السرقة:

  • النصاب.

  • والحرز

  • وزوال الشبهة

وإن أهم ما يلزم معرفته هنا، معرفة ما يمكن اعتباره حرز مثلها.

والمحفظة الإلكترونية: برنامج إلكتروني يعمل في المنصات الإلكترونية.

وكل محفظة الكترونية تحتوي على مفتاحين:

  • المفتاح العام “Public kay”: وهو ما يقابل رقم الحساب البنكي، فهي أرقام وحروف، وقد تكون كودًا مربعًا “Qr code”، والتحويل: يكون باستخدام المفتاح العام للمستقبل.

  • المفتاح الخاص “Private Key”: وهو ما يقابل الرقم السري في الحسابات البنكية، ولا يمكن لصاحب الحاسب الدخول إليه، إلا بالمفتاح الخاص، ولذلك إذا تمكن أحد من الوصول إلى المفتاح الخاص، فإنه يستطيع سرقة محتوياتها.

أشكال المحافظ الإلكترونية الخاصة بالبيتكوين:

  • المحافظ الإنترنتية: تقوم شركات عالمية بإنشاء محفظة إلكترونية مجانًا، ويستطيع صاحب المحفظة الدخول عليها من أي جهاز حاسب، أو هاتف ذكي.

وقامت شركة عربية مقرها الإمارات بتقديم خدمة المحافظ الالكترونية وبيع وشراء عملات البيتكوين في دول الخليج العربي.

وميزة هذا النوع من المحافظ:  

  • سهولة الوصول إليه من أي جهاز وأي مكان.

  • قوة الحماية فيه بحسب قوة الشركة التي تقدم الخدمة

  • عدم الحاجة إلى حفظ المفتاح الخاص الطويل فمعلومات الدخول إلى المحفظة تكون: باسم مستخدم، وكلمة مرور.

وأما المخاطر، فمنها: 

  • الاتصال بالإنترنت للوصول إلى المحفظة، فقد ينقطع الإنسان عن الانترنت فلا يتمكن من الوصول إلى أمواله.

  • احتمال اختراق الموقع وفقدان المحافظ الإلكترونية

  • المحافظ الإلكترونية الخاصة: وهي برامج يمكن تحميلها على الحاسب الشخصي أو الهاتف الذكي، وبعد التحميل لا يحتاج صاحب المحفظة إلى الإنترنت للتعامل بها.

وأهم ميزة لهذه المحافظ: الوصول دون الحاجة للاتصال بالإنترنت.

ولها عيوب ومخاطر منها:

  • قد تُفقد العملات الإلكترونية بحذف البرنامج دون الاحتفاظ بنسخة احتياطية منه.

  • احتمال اختراق الجهاز المحتوي على البرنامج أو سرقته.

  • يتطلب تحميل كامل السجل الموحد، وهو كبير الحجم.

اعتبار المحافظ الإلكترونية للعملات الإلكترونية حرزًا:

على القول الظاهر بأنه يشترط الحرز لحد الزكاة، وأن تحديد الحرز موكل إلى العرف([32]).

فإن المحافظ الإلكترونية للعملات الإلكترونية، هي الحرز المعتبر؛ إذ هي الوعاء الحافظ، ولا يمكن دخول إلا بسرقة المفتاح الخاص، الذي لا يعلمه إلا صاحبها، أو بحل الشفرة الخاصة من خلال ترجمتها، أو بالاختراق.

وكل هذا أخذ للمال غير المأذون به من حرزه بعملٍ غير مأذون فيه.

  • ومنها: ما حكم تأجير الشركات لأجهزة التعدين بتمكين غيره من استغلالها في التعدين، ببذل منفعة بعض قدرة معالجات هذه الأجهزة لمدة عامين؟ 

  • ومنها: هل يجوز أن تحول أرصدة الوصايا والأوقاف والأيتام والأموال الخيرية إلى العملة الافتراضية وهل يعدّ هذا شرعا من التفريط والتضييع؟

وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) ينظر: لسان العرب (11/476).

([2]) ينظر: مقدمة في النقود والبنوك، د. محمد زكي (ص20).

([3]) ينظر: معجم اللغة العربية المعاصرة (1/111).

([4])www.bitcoin.org/ar/faq#what-is-bitcoin

https://www.techopedia.com/definition/6702/digital-currency

وقد عرف الإرشاد الأوروبي رقم 46/00٢ الصادر في 18/9/000٢م النقود الإلكترونية بأنها: قيمة نقدية منتجة من المصدر، وتحتوي على النقود الإلكترونية على الخصائص التالية:  أنها تخيزن على وسيط الكتروني، وتمثيل إيداعاً مالياً بحيث لا تكون قيمتها أقل من القيمة المودَعة، و تكون مقبولة كوسيلة دفع من قبل الشركات المالية غير الشركة المصدرة. ينظر: مفهوم الأعمال المصرفية الإلكترونية (1/29).

[5])) وهو فن: وهو يدرس تراث المخطوطات والكتب التاريخية والعلمية والنقود والمنحوتات المصورة ويبحث في هوية النقود والأوزان والأختام والأنواط، انظر كتاب فنون الشرق الأوسط لنعمت علام.

([6]) ينظر: الشيك الإلكتروني والنقود الرقمية (1/71).

[7])) هذا اسم كتاب لمؤلفه ناثنيل بوبر،

[8])) مقالة النقود الرقمية، د.سامر قنطجي ص11

([9]) قام “ساتوشي” بنشر ورقة عمل بعنوان: (البيتكوين: نظام عملة الند للند الإلكترونية)، بين فيها طريقة عملها، وحمايتها من التزييف والإنفاق المزدوج.

ينظر:  www.bitcoin.org/bitcoin.pdf

([10])  (ص10، 18) Mastering Bitcoins EBook

[11])) مقالة الدكتور هيثم الحداد منشورة على موقع الدرر السنية: (https://dorar.net/article/1982)

[12])) مقالة النقود الرقمية، د.سامر قنطجي (14، 15)

([13])www.bitcoinnewsarabia.com/what-is-bitcoin-mining-part-1/

([14]) https://bitcoin.org/ar/faq

[15])) مقالة النقود الرقمية، د.سامر قنطجي 12، 13

([16]) ينظر: www.mostaqbal.ae/images/بيتكوين.

[17])) (وما علاقة كلام الفقهاء في تعريف الثمن بمسألتنا هذه؟ ورقة بحثية لمنتدى الاقتصاد الإسلامي (ص 5)

([18])  www.historyofbitcoin.org

[19])) بيان منتدى الاقتصاد الإسلامي بشأن البتكوين (ص 14)

[20]))

[21])) مقالة الدكتور: هيثم الحداد، حكم التعامل بالعملة الإلكترونية، المشورة على موقع الدرر السنية، https://dorar.net/article/1982

[22])) البتكوين وأخواتها، ورقة منشورة في مجلة الاقتصاد الإسلامي، بقلم د. سامر قنطجي (ص 16)

([23]) كشاف القناع (2/417).

([24]) هذا ما ذهب إليه الجمهور [الذخير (6/5)، منح الجليل (4/3)، الأم (4/72)، البيان للعمراني (7/407)، المغني (6/350)، القواعد النورانية (ص 201)، الإنصاف (6/390)]، خلافا لأبي حنيفة في جوازه في رد العبد الآبق فقط [حاشية ابن عابدين (4/281)].

[25])) مقالة: حكم التعامل بالعملة الإلكترونية المشفرة د.هيثم الحداد، المنشور على موقع الدرر السنية. https://dorar.net/article/1982

([26]) القواعد النورانية (ص 201).

([27]) كشاف القناع (3/546).

([28]) هذا مذهب المالكية أنه الاشتراك يكون على صعوبة العمل وسهولته، فإن استوت أعمالهم فالقسمة على عدد رؤوسهم [الشرح الكبير (4/65)]، خلافًا للشافعية والحنابلة في تقديرهم النسبة على عدد الرؤوس، وإن تفاوت العمل [نهاية المحتاج (5/474)، كشاف القناع (4/204)].

([29]) ينظر: قرار المجمع الفقهي رقم (6/55/4).

([30]) الإجماع لابن المنذر (133).

([31]) قرار المجمع الفقهي رقم (53)، (6/4).

([32]) ينظر: الإشراف على مذاهب العلماء (7/202)، المغني (/).

اترك ردا