تهذيب كتاب الحكم الربوية

أنت هنا:
< الخلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد، وعلى آله وصحبه:

الفصل الأول: القول بجهالة الحكمة:

المبحث الأول: بيان قول جهالة الحكمة:

من الحكم العامة لجملة الشريعة: الابتلاء والاختبار للمكلف، فكل الأحكام يجب على المسلم امتثال أمر ربه سبحانه فيها، وإن لم تتضح حكمته فيها لعقله، قال الشاطبي: “إن الشريعة إنما جاءت لتخرج المكلفين عن دواعي أهوائهم حتى يكونوا عبادا لله”([1]).

ومن قرر القول بجهالة حكمة تحريم الربا فهو يتحدث عن تحريم ربا البيوع بنوعيه الفضل والنسيئة.

  • وأبرز من قرر هذا القول([2]):

  • الجويني: وخلاصة رأيه: أنه لا تظهر مناسبة في تحريم الربا في الأصناف الستة، وبالتالي فإن تحريم الربا في النقدين يقتصر فيه على مورد النص، وأما تحريمه في الأصناف الأربعة فيعدى إلى الأطعمة، لا لكون الطعم يشتمل على وصف مخيل مناسب، وإنما لورود النص به في حديث: “لا تبيعوا الطعام بالطعام”([3])، أو يكون من باب قياس الشبه لا قياس المناسبة.

فالجويني يقرر مذهب الشافعية في مسألة الربا فيما يتعلق بجريان الربا في الذهب والفضة دون غيرهما من النقود، وفي مسألة جريان الربا في كل مطعوم، وإنما خالف بعض أئمة الشافعية في طريق الاستدلال.

كما أنه يخطّئ الذين يعدّون النقدية إلى الفلوس الرائجة، ويقرر أن هذا مخالف لمعنى قصور العلة([4]).

  • الغزالي: وخلاصة رأيه: أنه لا تظهر مناسبة ولا إخالة في تحريم الربا في الأصناف الستة، وأن تعليلها وتعديتها في المذاهب الأربعة ليس مبنيا على مسلك المناسبة، إذ لا يوجد مناسبة يمكن بناء التعليل عليها، وقد أورد في كتابه شفاء الغليل ما يعضد رأيه ويقويه، ويضعف قول من رأى وجها للمناسبة ويرد عليه([5]).

  • العز بن عبد السلام: قرر أنه لم يقف على حكمة تحريم ربا الفضل والنسيئة في الأصناف الستة وما وافقها في العلة في كتابه القواعد الكبرى، فقال: “وكذلك المفسدة المقتضية لجعل الربا من الكبائر لم أقف فيها على ما يعتمد على مثله، فإن كونه مطعوما أو قيمة للأشياء أو مقدرا لا يقتضي مفسدة عظيمة يكون من الكبائر لأجلها”([6]).

  • الشاطبي: فقد استشكل حكمة تحريم ربا البيوع واعتبرها مجهولة في كتاب الموافقات([7]).

  • أدلة قول جهالة الحكمة:

  • يمكن القول بأن عدم الدليل الشرعي أو العقلي على ما يذكر من مناسبات أو إخالات هو دليل أصحاب هذا القول، وأن خفاء ما يذكره كثير من العلماء من المصالح في تحريم ربا البيوع دال على أن الحكمة مجهولة وغائبة عن العباد.

  • أن أحكام الربا جاءت على خلاف القياس والمعهود في الشريعة، فالأصل أن الشريعة جاءت بحرية التعاقد من حيث الكمية والتأجيل، فلم تشترط في البيع من حيث الأصل ألا يكون إلا بالتساوي أو الحلول أو غيره من الشروط المشترطة في الأصناف الربوية.

  • الإيماء إلى إخفاء الحكمة عن العباد في قول الله تعالى :(الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا) [سورة البقرة:275].

ووجه ذلك: أن المشركين لما استشكلوا تحريم الربا بقولهم: إنما البيع مثل الربا، لم يبين لهم الفرق بينهما، وإنما أجيبوا بأن الله أحل هذا وحرم هذا، مما يومئ إلى إخفاء الحكمة ومطالبتهم بالالتزام ابتلاء لهم ليتبين المسلم المستسلم لله من غيره الذي لا يعبد الله إلا وفقا لهواه.

المبحث الثاني: نقد القول بجهالة الحكمة:

من أبرز الناقدين لهذا القول:

  • شيخ الإسلام ابن تيمية: حيث قال رحمه الله: “فإن القياس الذي يوجد فيه الوصف المشترك من غير نظر إلى ما بين الموضعين من الفرق المؤثر هو مثل قياس الذين قالوا: إنما البيع مثل الربا، نظرا إلى أن البائع يبادل بماله ليربح، وكذلك المرابي، ولقد سرى هذا المعنى في نفوس طوائف حتى بلغني عن بعض المرموقين أنه كان يقول: لا أدري لم حرم الربا، ويرى أن القياس تحليله..، إلى أن قال: فليعز مثل هذا نفسه عن حقيقة الإيمان والنظر في الدين، وإن لم يكن عن هذه المصيبة عزاء”!!([8]).

  • كل من أثبت حكمة فإنه يعتبر مخالفا لهذا القول ضمنا: فكل من أثبت مقصدا صحيحا لتحريم الربا فإنه يعد مخالفا لهذا القول ضمنا.

  • كما يمكن نقد القول بأنه يضعف قاعدة: العبرة في العقود بمقاصدها ومعانيها لا بألفاظها ومبانيها، في أبواب الربا.

ويمكن الرد على أدلة هذا القول كما يأتي:

  • مناقشة الدليل الأول: الاستدلال بضعف ما ذكره كثير من العلماء من مقاصد وحكم.

ويجاب عنه بالتسليم بأن هذا صحيح في مقابلة الحكم الضعيفة والمرجوحة، أما إذا أُثبتت حكمة أو مصلحة قوية فهي مقدمة على القول بجهالة الحكمة.

  • مناقشة الدليل الثاني: كون أحكام الربا جاءت على خلاف القياس والمعهود في الشريعة، ويجاب عنه بالتسليم بأن أحكام الربا خالفت القياس على بعض الأصول، ولكنها لم تخالفه إلا لأجل اندراجها في قياس آخر من قياسات الشريعة ومعهودها، والشريعة قد تراعي قياسا ومعهودا ومصلحة وقاعدة على حساب قياس ومعهود ومصلحة وقاعدة أخرى، لكونها أرجح منها وأعظم وأصلح، وهذا ما جعل بعض العلماء يرى اندراج الربا في قاعدة الظلم، وبعضهم يرى اندراجه في قاعدة أكل المال بالباطل([9]).

  • مناقشة الدليل الثالث: الإيماء الوارد في قوله سبحانه:(وأحل الله البيع وحرم الربا) [سورة البقرة:275]، فيجاب عنه بأن الله جل وعلا قد أجاب عن اعتراض المشركين على تحريم الربا بجواب تعبدي وهو أنه سبحانه أحل البيع وحرم الربا، لأن كلامهم كان في سياق الاعتراض على الله سبحانه، لا سؤال طلب علم من الله، فهم يأكلون الربا ويقولون: إنما البيع مثل الربا، ولو أنهم امتثلوا أمر الله ثم سألوا عن الفرق بين البيع والربا سؤال طلب واستفهام لكان حريا بهم أن يجابوا عن استفهامهم، لأن الله جل وعلا لا يجيب عن أسئلة التعنت والاعتراض، فإنه سبحانه لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون.

 

الفصل الثاني: حكمة استقرار الأثمان:

المبحث الأول: بيان حكمة استقرار الأثمان:

ترجع أهمية استقرار الأثمان لكونها معيار القيم وعوض المتلفات ومستودع الثروات.

وخلاصة حكمة استقرار الأثمان: أن إباحة ربا الفضل والنسيئة في النقدين يخرجهما عن كونهما ثمنا، ويصيرهما سلعة من السلع يتجر فيهما، وكونهما سلعة يؤدي إلى عدم استقرار ثمنهما، وفي ذلك مفسدة عامة على الناس، إذ لن يكون لهم مرجع في تقييم الأشياء إذا كان الثمن مضطربا([10]).

نطاق حكمة استقرار الأثمان: يطرد القول بهذه الحكمة مع التعليل بمطلق الثمنية، لا التعليل بالكيل أو بالوزن أو بالطعم أو بغير ذلك.

وأبرز من قرّر هذا القول:

  • لعل شيخ الإسلام ابن تيمية هو أول من تحدث عن مصلحة استقرار الأثمان، فقد تكلم في مجموع الفتاوى عن ذلك في فتوى جريان الربا في الفلوس فقال: “والتعليل بالثمنية تعليل بوصف مناسب، فإن المقصود من الأثمان أن تكون معيارا للأموال، ولا يقصد الانتفاع بأعيانها، فمتى بيع بعضها ببعض إلى أجل قصد بها التجارة التي تناقض مقصود الثمنية، واشتراط الحلول والتقابض فيها هو تكميل لمقصودها”([11]).

  • ابن القيم: فقد تحدث في كتاب إعلام الموقعين عن حكمة الربا، وكون تحريمه على وفق القياس المعقول([12]).

*أدلة حكمة استقرار الأثمان:

يمكن أن يكون الاستدلال لهذه الحكمة معتمدا على مقدمات ثم نتيجة:

 المقدمة الأولى: من الحاجات العامة: التقويم في الأموال.

    المقدمة الثانية: التقويم في الأموال لا يمكن إلا بثمن تقوّم به الأشياء.

المقدمة الثالثة: الثمن الذي تقوم به الأشــياء يجــب أن يكون معيارا محدودا مضبوطا، لا يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالســلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل صار الثمن والمثمن جميعها سلعا.

المقدمــة الرابعة: حتى يتحقق كونــه معيارا محدودا مضبوطــا لا يرتفع ولا ينخفض، فلا بد من منع كون الثمن مُتّجرا مقصودا لذاته.

المقدمة الخامسة: أن منع كون الأثمان متّجرا مقصودا لذاته يتحقق بتحريم بيع الأثمان بعضها ببعض نسيئة وفضلا.

فالنتيجة: إن تحريم بيع الأثمان بعضها ببعض فضلا ونسيئة حاجة عامة، تحقق مقصود الثمنية والتقييم والتبادل بين الأشياء.

وقد أصبحت هذه الحكمة (مصلحة استقرار الأثمان) اليوم؛ نظرية من نظريات علم الاقتصاد الإسلامي، ومنظّروها يبينون ضرر تسليع النقود، والمخاطر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المترتبة على الاتجار بها، ويذمون اتخاذ النقود متجرا، معتمدين في ذلك نصوص ابن تيمية وابن القيم وغيرهما.

المبحث الثاني: نقد حكمة استقرار الأثمان:

يمكن نقد هذه الحكمة من خلال مناقشة المسائل الآتية:

المسألة الأولى: هل ثبات قيمة الأثمان (القوة الشرائية) يمكن وقوعه؟ وهل يتصور أن يكون معيار القيمة ثابتا مثل معيار قياس الأطوال أو الأوزان؟

المسألة الثانية: هل ثبات الأثمان مصلحة مقصودة شرعا؟

المسألة الثالثة: إذا كان ثبات الأثمان مصلحة مقصودة شرعا، فهل تحريم ربا الفضل والنسيئة في الأثمان يحقق هذه المصلحة؟

    فأما المسألة الأولى: فالذي يظهر أن معيار القيمة لا يتصور أن يكون ثابتا كمعيار قياس الأطوال، وذلك أن المعيار القيمي فيه عوضان، والقيمة رقم يحدد النســبة بين العوضيــن، وكلا العوضين له قيمة ترتفع وتنخفض، بحســب الرغبات والحاجات، فحقيقة المعيار القيمي أنه نسبة بين متغيرين، لا بين متغير وثابت.

وأما جواب المسألة الثانية: فيمكن أن يقال إجمالا بأن المحافظة على استقرار الأثمان سواء لمدد طويلة أو لأزمنة قصيرة -إن سلم بأنه مصلحة- فليس من جنس المصالح التي عهد من الشارع النظر إليها والمحافظة عليها، بل قد يقال: دعوى أنها مصلحة ملغاة أقرب إلى الأدلة من دعوى أنها مصلحة معتبرة شرعا، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا جاء فقال: يا رسول الله سعّر، فقال: “بل أدعو”، ثم جاءه رجل فقال: يا رسول الله سعّر، فقال: “بل الله يخفض ويرفع، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة”([13]).

وأما جواب المسألة الثالثة: فقد يقال: إن تحريم ربا البيوع في الأثمان لا يحقق اســتقرار الأثمان -هذا على التســليم بأن اســتقرار الأثمان ممكــن، وأنه مصلحة مقصودة ومطلوبة شرعا-.

وبتعبير آخر: على التسليم بأن اضطراب الأثمان مفسدة، وأن هذه المفسدة مما نظرت إليه الشــريعة وقصدت درءه، فيقــال: تحريم الربا في الأثمان لا يدرأ هذه المفسدة ولا يدفعها.

ولو كانت هذه هي المفسدة المقصودة بالدرء لكان تحريم شراء الأثمان إلا لحاجة هو الأقرب إلى درئها من تحريم بيع الأثمان ببعضها إلا مع الحلول والتماثل.

والخلاصة أن (مصلحة اســتقرار الأثمان، ومفسدة تسليع النقود) لا يصح أن توصف بأنها من المقاصد الشرعية في مسألة تحريم الربا.

كما يقرر البحث أن فقدان المسلمين لسوق مهمة كسوق النقدين والعملات، يجعل غيرهم يسيطر على هذه السوق، ويتحكم بها.

 

الفصل الثالث: حكمة الإجراءات التشريفية:

المبحث الأول: بيان حكمة الإجراءات التشريفية:

    هذه الحكمة تجعل المقصد من تحريم الربا في الأصناف الستة وما وافقها في العلة إنما هو لأجل أهمية هذه الأصناف وشرفها.

ومقتضى هذا التشــريف والأهمية أن تصعب إجراءات الحصول عليها، وأن يحاط تبادلها بمزيد من الإجراءات والضوابط والقيود التي تشعر المتعامل بأهميتها.

قال القرافي: “قاعدة: إذا شرف الشيء وعظم في نظر الشرع كثر شروطه، وشدد في حصوله تعظيما له، لأن شـأن كل عظيم القدر ألا يحصل بالطرق السهلة (حفت الجنــة بالمــكاره)”([14]).

وأبرز من قرر هذه الحكمة:

  • الأبياري: فقد قرر هذه الحكمة بوضوح في كتابه: التحقيق والبيان في شــرح البرهان، أي برهان الجويني في أصول الفقه، قال الأبياري: “ولا يبعد إظهار مناسبة فيه [أي في تحريم الربا مناقشا للجويني صاحب المتن]، وذلك أن هذه الأقوات بها قوام الأبدان، الذي هو شــريف عند الله عز وجل، ويظهر الســر فيه بألا يجعل عرضة للأسواق، ولا محلا للتجر، ألا ترى أن الحر لما شرف في نظر الشــرع أبطل الشرع القيمة، وقدر فيه الدية”([15]).

  • قرر القرافي هذه الحكمة في كتابه: الذخيرة، فقال مقررا لقاعدة بهذا الشأن في كتاب البيوع: “قاعدة: إذا شــرف الشيء وعظم في نظر الشرع كثر شروطه، وشدد في حصوله تعظيما له، لأن شأن كل عظيم القدر ألا يحصل بالطرق السهلة”([16]).

أدلة حكمة الإجراءات التشريفية:

  ترتكز وتنبني حكمة الإجراءات التشـريفية على أن تطويل الإجراءات ووضع الضوابط والشروط نوع من أنواع التشريف، وهو ما يظهر من كلام القرافي إذ بنى هذه الحكمة على قاعدة أن تكثير شروط الشيء دليل على أهميته وشرفه، وقد استدل لهذه القاعدة بصعوبة طريق الحصول على الجنة، ومن أمثلتها حديث “حفت الجنة بالمــكاره”.

المبحث الثاني: نقد حكمة الإجراءات التشريفية:

لنقد هذه الحكمة يمكن طرح مسألة هامة، وهي: أنه لو كان إشعار الناس بتشــريف الأصناف الأربعة والنقدين مصلحة مقصودة وضرورية شــرعا، فهل طريق تشريفها هو تطويل إجراءات حصول هذه الأصناف وتكثير شروط مبادلتها؟ وهل اشــتراط التقابض والتماثل في مبادلتهما يحقق هذه المصلحة مصلحة تشريفها؟

ويمكن مناقشة هذه المسألة بأنه لو ســلمنا بأن مقصود إظهار شــرف الأصناف الأربعة والنقدين يعد مصلحة مقصودة شــرعا، فإن هذه الحكمة -بعد ذلك- لا تســلم من الاعتراضات الآتية:

  • أن مقتضى تشريف هذه الأصناف تيســير الحصول عليها وتسهيل شروط مبادلتها، حتى تتيسر لكل أحد، لأنه لا قوام لبنية الإنسان إلا بالطعام، ولا تتيسر عقود المبادلات والإجارات وغيرها إلا بالنقود. وبيان ذلك يظهر بالهواء والماء مثلا فإنهما أهم من الطعام، من حيث إنهما مادة الحياة، ولا قوام للإنســان إلا بهما، وكان مقتضى تشريفهما وقيام الناس بهما أن كانا أيسر شيء في حصول الناس عليهما.

  • أن اشتراط التقابض والتماثل عند مبايعة هذه الأصناف (الشريفة) لا يحقق هذه المصلحة، بل يحققها مثلا النهي عن امتهان هذه الأصناف.

 

الفصل الرابع: حكمة مخالفة الخلقة:

المبحث الأول: بيان حكمة مخالفة الخلقة:

        هذه الحكمة تجعل المقصد من تحريم الربا في الذهب والفضة أن الربا فيهما يعد مخالفة للخلقة التي خلقا من أجلها والفطرة التي فطرا عليها، وذلك لأن الذهب والفضة خُلقــا ليكونا معيارا للقيم ووســيطا للتبادل، ولم يخلقــا ليكونا مقصودين لذاتهما، فالربا فيهما يجعلهما مقصودين لذاتهما، ويخالف القصد من خلقهما وسيطا للتبادل ووسيلة لغيرهما، كما أن هذه الحكمة تجعل المقصد من تحريم الربا في الأطعمة أن الربا فيها يعد مخالفة للخلقة التي خلقت لأجلها.

قال الغزالي: “اعلم أن فعل الشكر وترك الكفران لا يتم إلا بمعرفة ما يحبه الله تعالى عما يكرهه، إذ معنى الشكر استعمال نعم الله تعالى في محابه، ومعنى الكفر نقيض ذلك، إما بترك الاســتعمال، أو باستعمالها في مكارهه، ولتمييز ما يحبه الله تعالى عما يكرهه مدركان: أحدهما: الســمع ومستنده الآيات والأخبار. والثاني: بصيرة القلب، وهو النظر بعين الاعتبار”([17]) ثم ذكر عددا من التطبيقات، منها: أن الكنز مذموم، لكونه مخالفا لمقصود خلقهما وتعطيلا لمنفعتهما، تحريم الربا في النقدين، لأنه كفر بالنعمة، ثم قال: ” كل من عامــل معاملة الربا على الدراهــم والدنانير فقد كفر النعمة وظلم، لأنهما خلقا لغيرهما لا لأنفســهما، إذ لا غرض في عينهما، فإذا اتجر فــي عينهما فقد اتخذهمــا مقصودا على خلاف وضع الحكمــة، إذ طلب النقد لغير ما وضع له ظلم…فإنهما وســيلتان إلى الغير لا غرض فــي أعيانهما، ووقعهما من الأموال كوقع الحرف من الكلام”([18]).

الفرق بين حكمة مخالفة الخلقة في النقدين، وبين حكمة استقرار الأثمان:

تقرر حكمة اســتقرار الأثمــان أن الاتجار فــي النقود يصيرها ســلعا ترتفع وتنخفض، وهو مفسدة درأتها الشريعة بتحريم الربا، أما حكمة مخالفة الخلقة فتقرر أن الاتجــار في النقود يعــد مخالفة للخلقة التي خلقت لأجلها وهي كونها وســيطا لا مقصودا، وحبس النقد يعد ظلما.

أبرز من قرر هذه الحكمة: يظهر أن الغزالي هو أول من قرّر هذه الحكمة في كتابه إحياء علوم الدين، حيث قال: “فهذه حكمة الشرع في تحريم الربا، وقد انكشــف لنا هذا بعد الإعراض عن فن الفقه، فلنلحق هذا بفن الفقهيات، فإنه أولى من جميع ما أوردناه في الخلافيات، وبهذا يتضح رجحان مذهب الشــافعي رحمه الله في التخصص([19]) بالأطعمة دون المكيلات”([20]).

أدلة حكمة مخالفة الخلقة:

ترتكز وتنبني حكمة مخالفة الخلقة على مقدمتين:

المقدمة الأولى: أن كل شيء مخلوق له مقصود (شرعي) يستخدم فيه.

المقدمة الثانية: أن مخالفة مقصود الخلقة التي خلق الله لأجلها شيئا ما كفر بنعمة الله، وأن ترك اســتعماله فيمــا خلقه الله لأجله كفر بنعمــة الله كذلك.

ونلحظ أن هذه الحكمة تناســب القول بأن العلة في النقدين هي جوهر الثمنية أو خلقة الثمنية، كما أنها تناســب القول بــأن العلة فــي النقدين قاصــرة عليهما، ولا تتعداهما إلى غيرهما، لأنه -فــي نظر مقرري الحكمة- لا يوجد شــيء خلق للنقدية غيرهما.

المبحث الثاني: نقد حكمة مخالفة الخلقة:

من أوجه الرد على المقدمة الأولى، وهي أن هناك مقصودا معينا (شـرعيا) محددا لخلقة كل شيء.

فيقال: أولا: هل هناك وجوه محددة من أوجه الانتفاع يطلق عليها موافقة لمقصود الخلقة، ووجوه أخرى يطلق عليها مخالفة لمقصود الخلقة؟

ثانيا: للمخالف أن يدّعي أن فعله هو الموافق لمقصود الخلقة وأن فعل خصمه هو المخالف لمقصود الخلقة، وليس أحدهما بأولى من الآخر.

ثالثا: ما الدليل على أن الذهب والفضة خلقا ليكونا أثمانا؟

فإن للمخالف أن يعتــرض بأن اتخاذ الأثمان أصلا شــيء اصطلاحي، وبأن اتخاذها من الذهب والفضة شــيء اصطلاحي، وبــأن مقاديرها من الذهب والفضة شيء اصطلاحي.

والقضية تاريخية لا يوجد عليها دليل سمعي يدل على أنها خلقت أثمانا، بل لو قيل: بأن القرائن تشير إلى أن ثمنيتها اصطلاحية لكان هذا القول أقرب إلى الصواب.

رابعا: وإن سلمنا بأنهما خُلقا ليكونا أثمانا، فما الدليل على أن الثمنية هي المقصد الوحيد لخلقهما وأنه لا يوجد مقصد آخر لخلقهما؟ فهما يستخدمان كذلك في الحلي مثلا، ولرأب صدع الآنية، وفي الطب كبديل للأنف والسن، وغير ذلك.

خامسا: لو سلمنا أنهما خلقا ليكونا أثمانا فقط، فيقال: إن بيع بعضها ببعض متفاضلا أو مؤجلا لا يقدح في ثمنيتها. فما زال الذهب يباع بالفضة سابقا، والعملات الورقية تباع ببعضها في الزمن المعاصر دون أن يؤثر ذلك شيئا على ثمنيتها.

ومن أوجه الرد على المقدمة الثانية، وهي أن مخالفة مقصود الخلقة التي خلق لأجلها الشيء كفر بنعمة الله، أن يقال: إن شــكر نعمة الله وكفر نعمة الله مرتبطــان بالقيام بالأمر الشرعي أو ترك الأمر الشرعي، وليسا مرتبطين بموافقة مقصود الخلقة أو عدم موافقة مقصود الخلقة.

 

 

الفصل الخامس: حكمة كفاءة التوزيع:

المبحث الأول: بيان حكمة كفاءة التوزيع:

هذه الحكمة تجعل مقصد تحريم الربا هو درء مفسدتي غياب العدالة وغياب الكفاءة الاقتصادية، وقد قصـد بتحريم الربا -وفقا للحكمة – التحفيز على الدخول في المشاركات التي يتحقق فيها بشكل ظاهر العدالة بين الطرفين، والكفاءة الاقتصادية.

وهذه الحكمة ترتكز على مصلحتين:

المصلحة الأولى: تحقيق العدالة بين الطرفين، ورفع الظلم المتمثل في فرض عائد مضمون على مدين قد يخسر في تجارته([21]).

إن تحريم الربا في القرض جاء لتحقيق العدالة ومنع الظلم، ووجه الظلم في القرض بفائدة لأغراض استثمارية: أن المقترض الذي يقترض لأغراض استثمارية قد يربح في تجارته -كما كان يظن-، وقد يخســر -بسببه أو بسبب الظروف المحيطة-، وإقراضه المال بزيادة مضمونة يعــد ظلما، لأن المقرض يفرض عليه تكلفة مؤكدة مضمونة يدفعها المقترض ســواء ربح في مشروعه أم خســر. فلماذا يتحمل التاجر المقترض وحده نتائج خســارته، مع أنه قد لا يكون متسببا بالخسارة؟ وقد يكون بذل كل ما في وســعه لتحقيق الأرباح؟ وبهذا يظهر أنه لا مســوغ لتحديد عائد مضمون عندما تكون طبيعة الأشــياء غير مضمونة، لذلك فإن رأس المال النقدي الباحث عن عائد إيجابي من خلال العمل لا بد أن يتحمل عدم الضمان هذا([22]).

وهناك وجه آخر من الظلم، ألا وهو ظلم المقرض، وبيانه أن التاجر المقترض قد يحقــق من خلال التمويل أرباحا طائلة فوق توقعــات الجميع، ولا يدفع منها إلا قسطا هزيلا في صورة فائدة تدفع إلى الممول([23]).

وبهذين التوجيهين لطبيعة الظلم يتضــح معنى قول الله تعالى: (فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) [البقرة: ٢٧٩]، وفقا للحكمة.

        قال المــودودي: “إن تبــادل المنافع يحصــل على وجه ســوي بين البائع والمشتري في التجارة… ولكن بالعكس من ذلك لا يحصل تبادل المنافع بين الدائن والمدين على وجه سوي في المعاملة الربوية: يأخذ الدائن من المدين مقدارا معلوما من المال بنفســه بدون شــك، ولكن المدين بإزائه لا ينال مــن الدائن إلا تأجيلا في المدة قد ينفعه وقد لا ينفعه، فهو إن أخذ المال لاستهلاكه في حاجاته الشخصية فإن هذا التأجيل غير نافع له قطعا، وإن أخذه لاستغلاله في التجارة أو الصناعة أو الزراعة فكما أنه يحتمل أن يعود عليه بالمنفعة كذلك ســواء بســواء يحتمــل أن يعود عليه بالخســارة. كأن المعاملة الربوية إنما تكون على منفعة فريق وخسارة فريق، أو على المنفعة اليقينية المعلومة لفريق، والمنفعة غير اليقينية المعلومة للفريق الآخر”([24]).

المصلحة الثانية: تحقيق الكفاءة الاقتصادية:

بيانهــا: أن الأموال محدودة، وجميع الناس أو أغلبهم يرغب الحصول عليها، وعنــد رغبة أرباب الأموال في اســتثمارها فإنهــم يحتاجون إلى وســيلة أو معادلة للمفاضلة بين طلبات الأموال، والعقد الربوي يعد وســيلة من وسائل المفاضلة بين طلبـات الأموال، فمن يدفع فائدة أكثر، وهو كذلك أجدر ملاءة من غيره فإنه يحصل على الأموال، والخلاصــة أنه بناء على الجدارة الائتمانية وقدر الفائدة المدفوعة تتم المفاضلة بين الطلبات في آلية الربا.

قال محمد نجاة الله صديقي: “إن الربحية المنتظرة في نظام قائم على الفائدة لتمويل المشروع الإنتاجي لا أثر لها في تحقيق تخصيص فعال للأموال الاستثمارية، وذلك بسبب الشروط التي اقترن بها تقديم هذه الأموال”([25]).

ومن مفاسد الربا على تحقيق الكفاءة الاقتصادية:

1-أن آلية الربا توســع الفجوة بين طبقات المجتمع لأنهــا تزيد الثري ثراء، والفقير فقــرا، تزيد الثري ثراء بمنحه للتمويلات بســعر منخفض، وتزيد الفقير فقرا بمنعه من التمويل أو منحه التمويل بسعر عال([26]).

2-نقــد واقع البنوك الإســلامية لإســرافها فــي المداينات وعــدم تطبيقها للمشاركات.

قال رفيق المصري: “وهي [أي المصارف الإسلامية] في الواقع العملي آخذة في التنــازل المتزايد عن عمليات القراض إلى عمليــات المرابحة، أي عن عمليات المشــاركة إلى عمليات المداينة، فهي تشتري السلع بثمن نقدي وتبيعها بثمن مؤجل لتكسب الفرق بين الثمنين، ثم إذا ماطل العميل في الدفع ربما فرضت غرامة تأخير، لا ريب أن انتقال المصارف الإسلامية من الشركة إلى الدين إنما يعني السير في طريق العودة إلى التشابه مع المصارف التقليدية. أليست المصارف تاجرة نقود وديون”([27]).

أدلة حكمة كفاءة التوزيع:

ترتكز هذه الحكمة على عدة أدلة منها:

الأول: تفسير العدل ورفع الظلم:

ويفســر العدل -وفقا للحكمة- بأنه اشــتراك الممول والمتمول في المخاطر ابتداء وفي الربح والخسارة انتهاء، وذلك لا يكون إلا بعقود المشاركات، وأما  القرض الربوي فهو ربــح مضمون للمقرض لا يتعرض للخســارة، ويقابله المقترض الذي يتعرض لمخاطر الخســارة. وعدم التســاوي بين طرفي العقد في احتمالات الربح والخسارة هو الظلم الذي سعت الشريعة إلى دفعه بتحريم الربا.

الثاني: مقصد التوزيع العادل (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) [الحشــر:٧]

إن من مقاصد الشــريعة توزيع الثروة بكفاءة وعدالــة، بحيث تتقارب فئات المجتمع اقتصاديا، من خلال وســائل لا تزيد الثري ثراء ولا الفقير فقرا. وهذا معنى قول اللــه تعالــى: (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) [الحشــر:٧]. والربا من الوسائل التي تنافي هذا المقصد كما سبق بيانه.

وأبرز من قرر هذه الحكمة بظهور ووضوح:

  • أبو الأعلى المودودي، وهو رائد القول: بحكمة كفاءة التوزيع، وأبرز كتاباته المقررة لهذه الحكمة: عدد من المقالات نشرها في مجلته ترجمان القرآن باللغة الأردية على فترتين: عام ١٩٣٧م أثناء إقامته بمدينة حيدر آباد، ثم عام ١٩٥٠م([28]).

2-محمد نجاة الله صديقي

وأبرز كتاباته المقررة لهذه الحكمة: كتاب مصارف بلا فائدة، طبع باللغة الأردية، عام 1969م([29]).

فقه حكمة كفاءة التوزيع:

أولا: موقف حكمة كفاءة التوزيع من عقود المشاركات:

هــذه الحكمة تنظر إلى عقود المشــاركة نظرة تفضيل علــى عقود المداينات عموما، باعتبارها البديل الأساس للقرض الربوي.

جاء فــي تقرير مجلس الفكر الإســلامي بباكســتان عن إلغــاء الفائدة من الاقتصــاد: “وفيما يتعلق بالنواحي العملية للنظام المصرفي اللاربوي يعتبر المجلس من الأهمية بمكان أن يكون واضحا منذ البداية أن البديلين الحقيقيين الأمثلين للفائدة في ظل نظام اقتصادي إســلامي هما المشاركة في الربح والخسارة، والقرض الحسن أي الإقراض دون تقاضي أي مبلغ يربو على المبلغ الأصلي([30]).

وهــذا التفضيل مبرر -وفقا للحكمة- بأن المشــاركة تحقق العدالة والكفاءة الاقتصادية بشكل أظهر من عقود المداينات عموما والبيع الآجل خصوصا.

ثانيا: موقف حكمة كفاءة التوزيع من البيع الآجل ومشتقاته:

هذه الحكمة تنظر إلى البيع الآجل ومشــتقاته كالسلم والاستصناع والمرابحة وغيرها نظرة مذمومة، فهي عقود ينظر إليها على أنها شبيهة بالقرض الربوي لا بديلة عنه.

المبحث الثاني: نقد حكمة كفاءة التوزيع:

يمكن مناقشة ونقد هذه الحكمة من خلال مقامين:

المقام الأول: طريق المقارنة بين الربا وبين العقود المشروعة.

المقام الثاني: تلخيص مقدمات وأدلة الحكمة والإجابة عنها.

وخلاصة المقام الأول: إلزام المخالف بتحريم البيع الآجل، وإلا عد متناقضا. وهذه تعد مناقشــة وردّا على من يبيح البيع الآجل، ويحرم الربا لأجل هذه المفاســد المذكــورة في هذه الحكمة. وأما من كان يحــرم البيع الآجل كذلك َّ ويطرد في أخذه بلوازم قوله، فإن طريق مناقشته هو المقام الثاني.

فمن أوجه الرد وفقا للمقام الأول أن يقال:

أولا: إن هذه المفاســد المتعلقة بعدم تحقــق العدالة أو عدم تحقق الكفاءة الاقتصادية موجودة بعينها في معاملة البيع الآجل، فالبيع الآجل شبيه بالقرض الربوي أو مثيل له إذا نظرنا له من جهة المفسدتين المذكورتين.

وفي واقع الأمــر، فإن كثيرا من مقرري هذه الحكمــة لا يرون حرجا في هذا الإلزام، فهم يقررون بوضوح بأن البيع الآجل مذموم وشبيه بالقرض الربوي، لا بديل عنه، ولكنهم لا يجعلونه محرما كالقرض الربوي.

والواقع أن وجه الشــبه بين البيــع الآجل وبين القــرض الربوي -من حيث المفســدتين المذكورتين-  كبير جدا يرقى إلى مســتوى التطابق، فكلها تمثل بالنسبة للممول عائدا مضمونا يستحقه الممول سواء ربح مشروع المدين أم خسر. وهذا هو تفسير الظلم -وفقا للحكمة- في القرض الربوي.

ثانيا: بل يقال: إن هذا ينطبق على جميع عقود المبادلات ولو لم يكن فيها دين، فالبيع العادي الحال غير المؤجل تنطبق عليه مفسدة الظلم هذه بالقدر نفسه! فإن بائع الجملة الذي باع على التاجر قد حصل على ربحه التجاري، ولكن التاجر الذي اشترى هذه البضاعة ليبيعها قد يربح وقد يخسر في تجارته! فلماذا يحصل بائع الجملة على ربح من التاجر الذي قد يربح وقد يخســر؟! أليس الواجب -وفقا للحكمة- أن يلزم بائع الجملة بالدخول مع التاجر في شــراكة في الربح والخسارة؟! لا أن يحصل على ربحه التجاري بشكل مضمون، لأن التاجر المشتري عائده احتمالي!

ويمكننا القول -بعبارة أخرى-: أن مآل هذه الحكمة هو تحريم وإلغاء النشاط التجاري الذي يتوســط بين المنتجين والمستهلكين ويتحمل مخاطرة الشراء والبيع، بدعوى أنه من الظلم أن يفرض على تاجر عائد مضمون، والتاجر قد يربح وقد يخســر في تجارته!.

ويمكن تلخيص أوجه مناقشة الحكمة وفقا للمقام الثاني في ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: هل هذا الأمر مفسدة فعلا؟

المسألة الثانية: لو كانت مفسدة، فهل هي معتبرة شرعا؟

المسألة الثالثة: هل تحريم الربا، وذم المداينات عموما يدرأ هذه المفسدة؟

وجواب المســألة الأولى: يتلخص بأن المفاســد التي حاولت الحكمة إثبات علاقتهــا بالمداينات عموما وبالقرض الربوي خصوصا، هي في واقع الأمر ليســت مفسدة تماما كمفهوم العدل الذي سبق بيان خطئه، أو هي مفسدة في بعض الأحوال دون بعض كما سبق بيانه في مفهوم الكفاءة الاقتصادية، وبيان أن المداينة لا تقل في كفاءتها الاقتصادية عن المشاركة، وأنهما صنوان لا يصح إلغاء أحدهما.

وجواب المسألة الثانية: يتلخص بأن ما ذكرته الحكمة من أنه مفسدة -لو سلم ذلك-، فإنها تكون مفسدة ملغاة شرعا لمخالفتها للنصوص الشرعية.

وجواب المســألة الثالثة: يتلخص بأنه لو ســلم بالمفاســد التي ذكرتها هذه الحكمة، وأنها مفاســد معتبرة شــرعا وغير ملغاة، فإن تحريم الربا لا يحقق درء هذه المفاسد، بل تحريم المداينات التجارية عموما هو الذي يحقق درء هذه المفاسد.

الفصل السادس: حكمة الإحسان اللازم:

المبحث الأول: بيان حكمة الإحسان اللازم:

هذه الحكمة تجعل المقصد من تحريم الربا كونه إحسانا لازما أوجبته الشريعة رفقا بحال المدين المعســر، ورفعا للضرر الواقع عليه، لأن الزيادة عليه وهو في حال الإعسار وعدم القدرة على الوفاء ظلم له باستغلال حاجته ومسكنته.

ويلحظ في هذه الحكمة أنها تنحى منحى أخلاقيا في تقريرها لحكمة تشــريع الربا.

وأبرز من قرر هذه الحكمة بوضوح:

  • ابن تيمية فقال: “وهو [أي الربا] يســد طريق المعروف والإحسان إلى الناس. فإنه متى جــوز لصاحب المال الربا لم يكن أحد يفعــل معروفا من قرض ونحوه إذا أمكنــه أن يبذل له كما يبذل القروض مع أخذ فضل له ولهذا قال ســبحانه: (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) [البقـرة: ٢٧٦]، فجعل الربا نقيض الصدقة، لأن المربي يأخذ فضلا في ظاهر الأمر يزيد به ماله والمتصدق ينقص ماله في الظاهر لكن يمحق الله الربا ويربي الصدقات”([31]).

وقال رحمه الله: “والله تعالى حرم الربا لما فيه من ضرر المحتاجين وأكل المال بالباطل وهو موجود في المعاملات الربوية. وأما إذا حل الدين وكان الغريم معسرا: لم يجز بإجماع المســلمين أن يقلب بالقلــب لا بمعاملة ولا غيرها، بل يجب إنظاره وإن كان موسرا كان عليه الوفاء فلا حاجة إلى القلب لا مع يساره ولا مع إعساره”([32]).

  • ومنهم ابن القيم، وقد قرر هذه الحكمة في نطاق ربا النســيئة، ويشمل عنده ربا الجاهلية: زدني أنظرك، وربا القروض، وربا النســيئة فــي البيوع. وأما ربا الفضل فلا يدخل في نطاق الحكمة عنده. فقال في إغاثة اللهفان “فإن الله ســبحانه وتعالى حرم الربا لما فيه من ضرر المحتاج، وتعريضه للفقر الدائم، والدين اللازم الذي لا ينفك عنه، وتولد ذلك وزيادته إلى غاية تجتاحه وتســلبه متاعه وأثاثه كما هو الواقع في الواقع، فالربا أخو القمار الذي يجعل المقمور سليبا حزينا محســورا، فمن تمام حكمة الشريعة الكاملة المنتظمة لمصالح العباد تحريمه، وتحريم الذريعة الموصلة إليه”([33]).

أدلة حكمة الإحسان اللازم:

من أبرز ما استدل به ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، على هذه الحكمة ما يأتي:

  • الآيات الدالة على المقابلة بين الربا والصدقة. قال ابن القيم: “وقد جعل الله سبحانه الربا ضد الصدقة، فالمرابي ضد المتصدق، قال الله تعالـى: (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) [البقــرة:٢٧٦]، وقال: (وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون) [الروم: ٣٩]([34]).

  • ما يشــاهد من ضرر قلب الدين على المعســرين والمحتاجين وكيف يبدأ الدين صغيرا ثم ما يلبث أن يزيد ويكبر، ولا حيلة له في إيقاف زيادته ودفعه. قال ابن تيمية: “فربا النســاء من الجلي، فإنه يضر بالمحاويج ضررا عظيما ظاهرا، وهذا مجرب”([35]).

المبحث الثاني: نقد حكمة الإحسان اللازم:

هذه الحكمة -في الجملة- من أسلم الحـــكم الواردة في بيان حكمة تحريم الربا، فإنها مقتبسة من ســياق القرآن الكريم، ومن الأمور المشاهدة المحسوسة التي يعقلها كل أحد من الناس، وإن كانت لا تخلو من نقد وإشكال في بعض القضايا، من وجهة نظر البحث.

ويمكن مناقشة هذه الحكمة من خلال هذه المسائل:

المسألة الأولى: أن يقال: لمَ لم توجب الشريعة الصدقة على المدينين؟ وندبت إلى ذلك فقط؟

فمن حكمة الشــريعة -والله أعلــم- في عدم إيجابها صدقــة الدائن على المدين بالتنازل عــن دينه: أن هذا يضر بالدائــن ضررا بالغا في تضييع حقــه لكون المدين أعسر، وهو كذلك يزيد من إقدام الناس على الاستدانة مع علمهم بأنهم قد يخسرون ويعسرون، أو مع شكهم بذلك، ويزيد من عدم مبالاة المدين بوفاء دينه، لأنه يعلم أن مآله إلى الإعفاء والتنازل.

فلذلك كان الأكمل في مصالح العباد أن يكون ذلك -أي الصدقة بالتنازل عن الدين- مستحبا، يرجع إلى تقدير الدائن، فإن رأى أن المدين مستحق للصدقة وطابت نفسه بالتنازل فعل وتنازل عن حقه، وإن رأى أن المدين كان مقصرا أو متلاعبا أو شك بذلك أو لم تطب نفسه بالتنازل عن حقه لم يتنازل عنه.

ولو وجب على الدائنين التنازل عن حقهم في كل حال، لربما أدى ذلك إلى حنقهم وإيغار صدورهم على المدينين بحجة أنهم كانوا متلاعبين أو مقصرين أو غير مستحقين للتنازل.

المسألة الثانية: لمَ لَم توجب الشريعة القرض ابتداء؟ وندبت إلى ذلك فقط؟

إن الإقــراض هو ابتداء علاقة دائنيــة، وإيجاب القرض ابتــداء، تترتب عليه مفاسد:

  • ضياع حقوق وأموال المقرضيــن الدائنين، بل لا يمكنهم أن يجمعوا مالا أو حقا لكثرة المقترضين وحاجات الناس ومطالبهم.

  • فســاد الناس باتكالهم على الاقتراض من فلان ثم سداده بالاقتراض من آخر، ففيه تربية لهم على الكسل والاتكال على القروض.

  • زيادة البغضاء بين فئات المجتمع، فالفئــة التي تحصل المال، تقابلها فئة تأخذه منهم بالقروض.

المسألة الثالثة: تنقيح الحكمة:

إذا كان القول بـأن حكمة تحريم الربا هي الإحســان اللازم ومنع الظلم يعد تخريجا للحكمة، فيمكن تنقيح هذه الحكمة لتكون كالآتي: حكمة تحريم: ربا زدني أنظرك، هي منع ظلم المدين المعسر، وإلزام الدائن بالإحسان عليه، وبهذا يمكن القول بأن هذه الحكمة لها ثلاثة مرتكزات:

     أولا: أن هذه الحكمة إحسان أخلاقي.

     ثانيا: أنها في ربا زدني أنظرك، وليست في غيره من أنواع الربا.

     ثالثا: أنها في حال المدين المعسر، وليست في حال المدين الموسر.

 

الفصل السابع: حكمة الإحسان المقرب:

المبحث الأول: بيان حكمة الإحسان المقرب:

هذا المقصد يجعل الحكمة من تحريم بعض صور الربا الإلزام بالإحسان في الطريق السهل للتداين بين الناس بثا للإحسان وتعزيزا لنشره.

وبيان ذلك في صورة تحريم ربا القرض -مثلا- أن يقال: إن الطريق الســهل المنتشــر للمداينات بين النــاس هو طريق إقراض النقود، فألزمت الشــريعة في هذا الطريق ســلوك مسلك الإحســان (القرض مجانا)، دعما للإحسان وتعزيزا له، ومن لا يرد الإحسان فإن الطريق في حقه أطول وأبعد.

ومفهوم هذه الحكمة أن الفائــدة المحرمة التي تقابل الأجل في قرض النقود بالنقــود ابتداء لا تعد من قبيل الظلم، ولا حرمتها الشــريعة لأجل الضرر، ولا لأجل أكل المال بالباطل، بدلالة أن الشريعة أقرت هذه الزيادة في بيع السلعة بالأجل، وإنما حرمت الشريعة الزيادة في القرض النقدي تدعيما للإحسان ونشرا له، لأن الزيادة في القرض النقدي لو جازت لأوشك الإحســان أن يهجر، والمعروف أن يمنع ويفنى، ولعل هذا أحد معاني ما روي عن جعفر الصادق لما ســئل: لم حرم الله الربا؟ فقال: “لئلا يتمانع الناس المعروف”([36]).

وهذا مشــاهد، فإن البلاد التي اســتباحت الزيادة في القرض النقدي يقل فيها الإحســان ويندر، ويتمانع الناس فيها المعروف، بخلاف البلاد التي يستمسك أهلها بتحريــم الزيادة فــي القرض النقدي، فإن المعــروف فيها يبقى متــداولا بين الناس، والقروض لا تزال منتشرة بين أفراد المجتمع.

والفرق بين هذه الحكمة (الإحســان المقرب) وحكمة (الإحســان اللازم) أن حكمة الإحســان اللازم تقتضي سد كل طريق يسلك للربح، بحيث لا يبقى إلا الإحســان طريقا، وهذا ما يناسب تحريم ربا زدني أنظرك، بخلاف حكمة الإحسان المقرب فإنها سدت الربح من الطريق السهل المســلوك بين الناس، ولكنها لم تسد كل طريق للربح.

أبرز من قرر هذه الحكمة:

يوجــد في بعض عبارات أهل العلــم ما يفيد بأن الربا يســد طريق المعروف وباب الإحســان إجمالا، ومثل هذه العبارات في الجملة يمكن اعتبارها موافقة لهذا المقصد، وأصلا لتقريره، وإن لم تقرر تفصيلا كيف كان الربا ســادا لطريق المعروف وباب الإحسان، لكنها قررت إجمالا أن تحريم الربا جاء لأن الربا يسد باب الإحسان، وممن قرر مثل هذا المعنى إجمالا (كون الربا يســد باب الإحســان عموما):

ابن تيمية، وابن القيم([37]).

أدلة حكمة الإحسان المقرب:

من أبرز ما يمكن الاستدلال به لهذه الحكمة، ما يأتي:

  • أن هذه الحكمة متّسقة مع السياق القرآني في تقرير الإحسان في تحريم الربا، فهي تســير معه وتتناسب مع ســياقه، وآيات الربا قد دلّت على المقابلــة بين الربا والصدقة، قال اللــه تعالى: (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) [البقرة: ٢٧٦].

  • ما يشاهد في البلاد والمجتمعات التي استباحت ربا القروض من امتناع الناس عن المعروف وقلته وضعفه، وما يشاهد في البلاد والمجتمعات التي استمسكت بتحريمه من بقاء المعروف والإحسان.

  • مصلحة الإحســان وتقريب طرقه: مصلحة معهودة في الشرع فهي من جنس الصدقات والزكوات والنفقــات وإكرام الضيف وبذل الماعون وغيرها من أوجه الإحسان.

فقه حكمة الإحسان المقرب:

هاهنا مسألة يمكن مناقشتها في ضوء حكمة الإحسان المقرب، وهي:

الموقف من التورق:

إن التورق المــراد بالحديث هنا هو التورق الذي يقع بديلا عن القرض بفائدة ابتداء، وأما التورق الذي يقع بديلا عن قلب الدين على المعسر فقد سبق بيان تحريمه لأنه تحايل على حكمة الإحسان اللازم التي قصدت الإنظار مجانا، فأمــا التورق ابتداء فقد قــال بجوازه جمهور أهل العلــم، وهذا القول بجواز التورق يتسق ويتناسب مع حكمة الإحسان للطريق السهل، فإن المتعاقدين قد اختارا طريق الربح الطويل ولم يسلكا طريق الإحسان القريب.

المبحث الثاني: نقد حكمة الإحسان المقرب:

من أهم الاعتراضات الممكنة على هذه الحكمة، ما اعترض به ابن تيمية على من أباح التورق بقوله: “المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه، مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها، فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه”([38]).

وللجواب عن هذا الاعتراض يمكن أن يقال:

  • عند التأمل فإن هذا الاعتراض لا يتــم إلا على من قرر بأن ربا القرض حــرم لما فيه من الضرر على المحتاج، وحكمة الإحســان المقرب لا تقرر هذا، بل تقرر بأن ربا القرض حرم لتقريب الإحسان وتعزيزه، وتسهيل طريقه، وتقريب سلوكه، وليس لكون ربا القرض ظلما أو ضررا على المحتاج، لأن الشريعة قد أباحت المقدار نفسه من الضرر على المحتاج في معاملة البيع لأجل ومعاملة السلم.

  • إلزام مــن منع التورق بمنــع البيع الآجل الذي يزيد فيــه الثمن مقابل الأجل، فإنه مشتمل على القدر نفسه من الضرر على المحتاج.

وبهذا يظهر بأن حكمة الإحسان المقرب متناسقة مع حكمة الإحسان اللازم، متممة لها، وكل من الحكمتين يصب في حكمة واحدة هي حكمة الإحســان عموما، ومنع الإضرار بالمحتاجين إلا أن حكمة الإحسان اللازم منعت الإضرار المباشر، وحكمة الإحسان المقرب منعت انتشار الجشع، وعززت الإحسان ويسرت سبيله.

خــــــاتـــمة:

وفي ختام هذا التهذيب بعد استعراض هذه الحكم المقاصدية وأدلتها ومقرريها ونقدها، فلعل من المناسب في الختام استعراضها -بإيجاز- بطريقة أخرى.

عرض النظريات المقاصدية بطريقة تاريخية:

أقدمها: نظرية الإحسان، وأصلها مروي عن جعفر الصادق (ت١٤٨هـ)، وقد قرّرها ابن تيمية (ت٧٢٨هـ)، وبهذا الاعتبار قد تكون أقدم النظريات المقررة لحكمة تحريم الربا.

ثانيها: نظرية الإجراءات التشــريفية، ولم أجد أول مــن قررها، ولكنها قديمة إذ ردّ عليهــا الغزالي (ت٥٠٥هـ) في شــفاء الغليل، وممن قررهــا متأخرا الأبياري (ت٦١٦هـ)، والقرافي (ت٦٨٤هـ).

ثالثها: نظرية الجويني (ت٤٧٨هـ)، والغزالي في شــفاء الغليل (ت٥٠٥هـ)، وهي نظرية جهالة الحكمة.

رابعها: نظرية الغزالــي (ت٥٠٥هـ) المتأخرة في كتــاب إحياء علوم الدين، وهي نظرية مخالفة الخلقة.

خامسها: نظرية أخرى لابن تيمية، وابن القيم (ت٧٥١هـ) وهي استقرار الأثمان، وقد نشأت هذه النظرية في القرن الثامن الهجري.

ســادس النظريات: وهي نظرية كفاءة التوزيع نشــأت في شــبه القارة الهندية من الشــيخ أبي الأعلى المودودي (١٣٢١ه/١٩٠٣م-١٣٩٩ه/١٩٧٩م)، في كتاباته عن الربا (مقالات بتاريخ ١٣٥٧هـ/١٩٣٧م ثم طبعت ١٣٨١هـ/١٩٦١م).

 

 

عرض الاتجاهات العامة للنظريات المقاصدية:

     يمكن تصنيف هذه النظريات وفقا لاتجاهات عامة:

الاتجاه الأول: وهــو الاتجاه الاقتصادي، وهي النظريات التي تفســر حكمة تحريم الربا بأنه جاء لتحقيق منافع اقتصادية، أو درء مفاســد اقتصادية ســواء كانت هذه المصالح أو المفاسد للفرد أو للأمة. وهو ما يمكن الاصطلاح عليه بأنه التفسير الاقتصادي لحكمة تحريم الربا، ويندرج تحت هذا الاتجاه نظريات: كنظرية اســتقرار النقدين، ونظرية كفاءة التوزيع.

الاتجاه الثانــي: وهو اتجاه يدور حـول التركيز على خلقــة النقود والطعام، وينــدرج تحته نظريتــان: النظرية التي تتحدث عن تشــريف خلقة هــذه الأصناف، واصطلح البحث على تسميتها بنظرية الإجراءات التشريفية. والنظرية الأخرى وهي النظرية التي تتحدث عن منع مخالفة مقصــود خلقهما، وهي التي ترى أن الربا حرم لأنــه يخالف مقصود خلــق النقدين واصطلح البحث على تســميتها بنظرية مخالفة الخلقة.

الاتجاه الثالث: اتجاه التوقف. وهو الذي يندرج تحته نظرية جهالة الحكمة.

الاتجاه الرابع: الاتجاه الأخلاقي في تفســير حكمة تحريم الربا، والذي ينحى نحو تفسير تحريم الربا بالظلم والضرر الواقع على المدين، وأن تحريم الربا من جنس الواجبات المتعلقة بالإحسان ولزومه على   الدائن، ويندرج فيه حكمة الإحسان اللازم وحكمة الإحسان المقرب.

الاتجاه الذي يميل إليه الكتاب:

هذا الكتاب يميل إلى القول بأن الاتجاه الأخلاقي في تفسير حكمة تحريم الربا هو أقرب الاتجاهات وأصحها، والله أعلم، وذلك لدليلين:

الدليل الأول: مقابلة القرآن الكريم بين الربا والصدقة:

إن المتأمل لآيــات القرآن الكريم يجــد أن الربا يقابل الصدقــة في كثير من المواطــن، فيمكن أن يقال: إن َّ الربا ضد الصدقة، ومعرفــة الضد مما تتبين به حقيقة الشيء، خلافا للاتجاه الاقتصادي الذي يقرر أن َّ ضد الربا هو المشاركة كما في بعض النظريات، أو هو البيع كما في بعــض النظريات الأخرى، ومعرفة الضد مما تتبين به حقيقة الشيء.

الدليل الثاني: بشاعة الربا في النفوس، سواء كان ذلك في الجاهلية أو في الإسلام:

ومما جاء في ذلك: ما ذكره ابن إســحاق إمام المغازي والســير (١٥١هـ)، قال: “لمــا أجمعوا أمرهم [أي قريش] على هدم الكعبة وبنائها قام أبو وهب عامر بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم، فتناول من الكعبة حجرا، فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه فيما يزعمون، فقال: يا معشــر قريش لا تُدخلُن في بنيانها من كسبكم إلا طيبا، ولا تدخلن فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة من أحد من الناس.

وينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة([39]).

ومــن المعلوم أن النظريات الاقتصادية في تفســير الربــا، ونظريات الخلقة، والتوقف، لا تطبع في القلوب بشاعة الربا، ولا تظهر قبحه في النفوس. والله أعلم.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) الموافقات، للشاطبي، 2/351

[2])) ينبغي أن يفرق بين مسلكين في جهالة حكمة الربا، بين من يقول: بأن الحكمة مجهولة، وبأن من يجهل هو الحكمة.

[3]))

[4])) وهو عدم تعديتها ولو راجت الفلوس كرواج النقدين.

[5]))

([6]) القواعد الكبرى،1/292-293.

[7]))

([8]) بيان الدليل على بطلان التحليل، ابن تيمية، ص196-198 .

[9])) لابن تيمية كلام جيد في ذلك يرجع له في أصل الكتاب (الحكم الربوية، منصور الغامدي، ص40-41).

([10]) لابن تيمية وابن القيم كلام في ذلك يرجع له في الأصل (ص47-48).

([11]) مجموع فتاوى ابن تيمية ،29/471-472.

([12]) حديثه عن مسألة الربا في 2/128 – 2/143.

([13]) أخرجه أبو داود في كتاب الإجارة، باب في التسعير، 2/592.

([14]) الذخيرة، للقرافي5/298 .

([15]) التحقيق والبيان، للأبياري، 3/532-533 .

([16]) الذخيرة، للقرافي5/298 .

([17]) إحياء علوم الدين، للغزالي 4/90.

([18]) إحياء علوم الدين، للغزالي 4/92، قد سبق معنا أن الغزالي ممن يرى جهالة الحكمة.

 

[19])) لعلها: التخصيص.

([20]) إحياء علوم الدين، للغزالي 4/93.

 

([21]) انظر: الربا، لأبي الأعلى المودودي، ص98.

([22]) انظر: بحث: لماذا المصارف الإســلامية، لمحمد نجاة الله صديقي، ضمن كتاب: قراءات في الاقتصاد الإســلامي، ص٢٤٤، وإلغاء الفائدة من الاقتصاد، لمجلس الفكر الإسلامي بباكستان، فقرة ١-٣، ص٢٣-٢٤.

([23]) انظر: بحث لماذا المصارف الإســلامية، لمحمد نجاة الله صديقي، ضمن كتاب: قراءات في الاقتصاد الإســلامي، ص246، وإلغاء الفائدة من الاقتصاد، لمجلس الفكر الإسلامي بالباكستان، فقرة ١-٣، ص٢٣-٢٤.

([24]) الربا، لأبي الأعلى المودودي، ص98 .

([25]) لماذا المصارف الإسلامية، لمحمد نجاة الله صديقي، ص242-243 .

([26]) انظر: بحث: لماذا المصارف الإسلامية، لمحمد نجاة الله صديقي، ضمن كتاب: قراءات في الاقتصاد الإسلامي، ص٢٤٠-٢٤٢.

([27]) بحوث في الاقتصاد الإسلامي، لرفيق المصري، ص149-150 .

([28]) ترجم هذه الكتب جميعا إلى العربية محمد عاصم الحداد، وقد طبعتها ونشــرتها بالعربية: الدار الســعودية للنشــر والتوزيع بجدة. انظر: مقدمة المعرب لكتاب الربا، لأبي لأعلى المــودودي، ص٧-٨، ومقدمته لكتاب أســس الاقتصاد بين الإســلام والنظم المعاصرة ومعضلات الاقتصاد وحلها في الإسلام، لأبي الأعلى المودودي، ص٧-١٢.

([29]) وقد طبع باللغة الإنجليزية بعنوان (Banking without interest) في ليستر عام ١٩٨٣م، ثم ترجمــه المركز العالمــي لأبحاث الاقتصاد الإســلامي بجــدة إلى العربيــة وطبعه عام ١٤٠٥هـ/١٩٨٥م بعنوان النظام المصرفي اللاربوي.

([30]) إلغاء الفائدة من الاقتصاد، مجلس الفكر الإسلامي بالباكستان، ص18 .

[31])) بيان الدليل بتحريم التحليل، لابن تيمية، ص278-279.

[32])) مجموع فتاوى ابن تيمية، 29/419.

([33]) إغاثة اللهفان، لابن القيم، 1/353.

([34]) إعلام الموقعين، لابن القيم، 2/ 102-103.

([35]) تفسير آيات أشكلت، لابن تيمية، 2/597-600.

([36]) نسبه إلى جعفر الصادق جماعة من أهل الأدب والتاريخ والتراجم، ولم أجد هذا الأثر عند علماء الرواية والإســناد من أهل الحديث، فمن أقدم من نســبه إلى جعفر الصادق: المبرد اللغوي المعروف (٢١٠هـ-٢٨٠هـــ) في كتاب الفاضل ص٣٦، وأبو  جعفر القمي رأس الإمامية في زمانه (ت٣٨١هـــ) في كتابه علل الشــرائع، ٢/٣٧٨، وأبو  حيان التوحيدي (عــاش إلى حدود ٤٠٠هـــ) في كتابه البصائــر والذخائــر، ٧/١٩٥، والحافظ أبو  نعيم الأصبهاني (ت٤٢٠هـ) في ترجمة جعفر الصادق في حلية الأولياء ٣/١٩٤ – بإسناد كله إما كذاب أو مجهول-، ومنصور  بن الحسين الرازي الوزير البويهي (ت٤٢١هـ) في كتابه نثر الدرر ١/٢٤٢، ثم انتشــرت نسبته إلى جعفر الصادق بعد ذلك في كتب التراجم كصفة الصفوة لابن  الجوزي (ت٥٩٧هـــ)، ١/٣٩٢، وتهذيب الكمــال للمزي (ت٧٤٢هـ)، ٥/٨٨، وسير أعلام النبلاء للذهبي (ت٧٤٨هـ)، ٦/٢٦٢، وفي كتب التاريخ كذيل تاريخ بغداد لابن  النجار (ت٦٤٣هـ)، ١٨/٢١٤ ط التي طبعت مع تاريخ بغداد.

 

([37]) سبق نقل بعض النصوص عنهما في الفصل السابق.

([38]) إعلام الموقعين، لابن القيم، 3/ 134-135 .

([39]) الســيرة النبوية، لابن إســحاق، تحقيق محمد حميد الله، فقــرة ١٠٣، ص٨٤، ط معهد الدراســات والأبحاث والتعريب، ط ١٣٩٦هـ/١٩٧٦م. وهذا مرســل من ابن إسحاق، وهو من صغار التابعين، ولكن يقويه أن ابن إسحاق إمام المغازي والسير وأعلم الناس بها في زمانه.

اترك ردا