حدود تصرف المزكي في زكاته

أنت هنا:
< الخلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،

فهذا بحث موجز بعنوان: (حدود تصرف المزكي في قسم زكاته)، وقد قسمته إلى أربعة مباحث:

المبحث الأول: تعميم المصارف بالزكاة.

المبحث الثاني: حدود الصرف إلى كل مصرف.

المبحث الثالث: حدود إعطاء الأقارب من الزكاة.

المبحث الرابع: مباشرة المزكّي صرفَ زكاته بنفسه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

  • المبحث الأول: تعميم المصارف بالزكاة:

جعل الحقُّ تبارك وتعالى مصارفَ الزكاة ثمانية كما في قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل). فهل يجب تعميم هذه المصارف بالزكاة أم يجوز صرف الزكاة إلى بعض هذه المصارف دون بعض؟

تحرير محل النزاع:

أجمعوا أنه إن لم يوجد إلا صنف واحد أجزأ الإعطاء له([1]).

أما إن وُجدت جميع الأصناف فاختلف الفقهاء في ذلك على قولين:

القول الأول: يجوز دفع الزكاة إلى صنف واحد، وهو قول عمر وحذيفة وابن عباس، وهذا مذهب الحنفية([2]) والمالكية([3]) والحنابلة([4]).

واستدلوا:

  • ما جاء من الأدلة التي جاء فيها إيتاء بعض اأصناف، كقوله تعالى {إن تبدوا الصدقات فنعمّا هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء} [البقرة: 271]، وكحديث معاذ حين بعثه النبي -صلى الله عليه وسلم– لليمن، فإنه قال: «ترد على فقرائهم»([5])، وكقوله -صلى الله عليه وسلم- لقبيصة: «أقم عندنا حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها»([6])، وأَمَرَ بني زُريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر([7])، ولو وجب الاستيعاب لم يجُزْ صرفها إلى واحد([8]).

  • ولما فيه من العسر، وهو منفي شرعا([9]).

القول الثاني: وجوب استيعاب الأصناف بالزكاة، وهو مذهب الشافعية([10])، فإن وُجدت الأصناف الثمانية وجب لكل صنف ثمن، وان وُجد منهم خمسة وجب لكل صنف خُمُس([11]).

واستدلوا:

  • بأن الأصناف الثمانية (ذُكروا في الآية بلفظ الجمع، وأقله ثلاثة إلا ابن السبيل… وإنما أُفرد لأن إضافته للمعرفة أوجبت عمومه فكان في معنى الجمع، وكذا قوله: في سبيل الله)([12]).

ونوقش استدلالهم:

  • بأن المراد من الآية بيان الأصناف التي يجوز الدفع إليهم لا تعيين الدفع لهم، فالآية إنما سيقت لبيان من تُصرف إليه، لا لتعميمهم([13])، كما أن الزكاة كالوصية لجماعة لا يمكن حَصْرُهم، فحيث لم يجب تعميم الموصى لهم إذا لم يكونوا محصورين، فكذلك الحال في الزكاة([14]).

  • وأيضا فإن اللام في قوله {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} لبيان اختصاص الحكم بالثمانية كقوله تعالى {فطلقوهن لعدتهن} أي الطلاق مختص بهذا الزمان، وقوله -صلى الله عليه وسلم- صوموا لرؤية الهلال أي وجوب الصوم مختص بهذا السبب، فليس في الآية على هذا تعرّضٌ لملك، ومن قال بالتمليك يلزمه مخالفة ظاهر اللفظ بهما، وقد نص الله تعالى في الكفارات على المساكين، ومع ذلك يجوز الصرف للفقراء، وكذلك هاهنا([15]).

والأظهر القول الأول، لما سبق من الدلائل ولما يلي:

أن في مذهب الشافعية اضطرابا ظهر في مواضع:

  • صعوبة تطبيق مذهب الشافعية، وهذا أمرٌ أقرّ به طائفة من كبار الشافعية منهم الروياني حيث نقل: (عن الأئمة الثلاثة وآخرين أنه يجوز دفع زكاة المال أيضا إلى ثلاثة من أهل السُّهمان قال: وهو الاختيار لتعذُّر العمل بمذهبنا، ولو كان الشافعي حيًّا لأفتانا به)([16])، وصعوبة تطبيق القول من أمارات ضعفه، وبُعْدِه عن الصواب، كما قرّر جمع من أهل العلم.

  • كثرة التشقيقات والتفاصيل التي نشأت عن هذا القول، ويأتي نماذج لذلك دون استقصاء، ومنها:

  • أنهم قالوا بوجوب التعميم على الإمام وعلى المالك، إلا أن الإمام لا يلزمه أن يُعمّم الصرف من زكاة كل مزكٍّ؛ لعسر ذلك، بل يجوز عندهم أن يأخذ الإمام زكاة شخص ويصرفها إلى صنف واحد، بل إلى شخص واحد، ولا يجوز للمزكّي ذلك لو باشر بذل الزكاة بنفسه! وهذا التفريق فرعٌ عن القول المضطرب الذي كانوا عنه أغنياء([17]).

  • أنهم لم يوجبوا التسوية بين أفراد الصنف الواحد في بعض الأحوال، فحيث أوجبوا التعميم ولو قلّ المال على الأصناف الثمانية، فلمَ لمْ يقولوا بوجوب التعميم على الأفراد مع استوائهم في الحال، بل إنهم لم يوجبوا التسوية حتى مع اختلاف الحاجة (إلا إن كانت من الإمام) بل استحبّوها([18]).

  • المعنى الذي اعتمد عليه الشافعية في عدم وجوب التعميم في زكاة كل مزكٍّ إذا تولى الإمام قسمة الزكاة هي المشقّة([19]) وهو ذات المعنى الذي عوّل عليه الجمهور في عدم وجوب التعميم، فالجمهور كانوا أحذق إذا راعوا المآل أولًا فاعتبروه، والشافعية أغفلوا العاقبة، ثم اضطرّوا لاعتبارها آخرًا([20]).

  • المبحث الثاني: حدود الصرف إلى كل مصرف:

 بعد أن تبيّن أن جمهور الفقهاء لا يوجبون تعميم أداء الزكاة إلى جميع المصارف، خلافًا للشافعية، ننتقل إلى سؤال آخر وهو: ما حدود الصرف إلى كل مصرف، وهل يجزئ أداء الزكاة إلى شخص واحد من صنفٍ واحد؟

اختلف الفقهاء في هذه المسألة، ولهم فيها اتجاهات:

الاتجاه الأول: مذهب الشافعية، وحاصله وجوب تعميم الإمام الزكاة على آحاد كل صنف من الأصناف الثمانية، ولا يلزمه التعميم من كل زكاةٍ على حدتها؛ لعُسْرِه، كما يجب على الإمام التعميم لآحاد الأصناف ويحرم عليه (التفضيل مع تساوي الحاجات) على المعتمد لسهولة التساوي عليه)([21]).

الاتجاه الثاني: جواز دفع الزكاة لشخص واحد من الأصناف الثمانية، وهو مذهب الحنفية([22]) والمالكية([23]) والحنابلة([24]).

وحيث إن هذه المسألة شديدة الصلة بالمسألة السابقة فقد ذكرها كثير من الفقهاء في مقام واحد، واستدلوا لها بالأدلة نفسها([25]).

والجواز ها هنا يُراعى فيه أمور:

  1. استحباب أداء الزكاة للأكثر حاجة([26]) وإنما لم يصل الأمر-فيما يظهر- إلى الوجوب؛ لأمرين: أحدِهما: أن الجميع مستحق للزكاة، والثاني: مشقّةُ مراعاة الأكثر حاجة دائمًا، والمشقة تجلب التيسير.

  2. ألا يصل دفع الزكاة إلى الفقير مثلًا إلى إغنائه، إذ المقصود دفع حاجته، والإغناء قدر زائد على ذلك([27])، ولأن الزكاة شُرعت للنفقات العاجلة المستمرّة، وسدّ حاجة جماعةٍ أولى من إغناء فقير واحد، فالأول ضروري أو حاجيّ، والثاني تكميليّ.

  • المبحث الثالث: حدود إعطاء الأقارب من الزكاة:

قد سبق في بحث (انتفاع المزكّي من زكاته) الحديث عن حكم إعطاء الأقارب من الزكاة، وحاصل القول في المعنى الذي من أجله مُنِع من دفع الزكاة للقريب هو انتفاع المزكي بسقوط النفقة الواجبة لقريبه عليه، وحيث لم يوجد هذا المعنى فأداء الزكاة للقريب جائزة، بل مندوبٌ إليها شرعًا؛ لحثّ الشريعة على الإحسان إلى الناس عموماً، وإلى ذوي القربى على وجه الخصوص.

  • المبحث الرابع: مباشرة المزكي أداء الزكاة بنفسه:

عامة الفقهاء من الحنفية([28]) والمالكية([29]) والشافعية([30]) والحنابلة([31]) على جواز مباشرة المزكي دفع الزكاة بنفسه.

والظاهر استحباب تولي المزكي دفع الزكاة بنفسه وهو مذهب الحنابلة([32])، وهذا هو الأصل إلا أن يعرض له عارض ينقل عنه، كأن يوجب ذلك السلطان الذي يضع المال في مصرفه حتى ولو كان ظالمًا؛ لأن ذلك من جملة الأعمال التي كلفه الشارع بها، أو كان يتضرر إذا لم يدفعها إلى الإمام، ونحو ذلك من الأحوال.

على أن هناك من السلف من كره ذلك لأن المحمدة تدخل فيه والثناء([33])، وكانوا يراعون أن لا يتصل بهم نفع من المستحق، كما ورد عن عائشة أم المؤمنين، فقد أخرج الإمام النسائي عنها أنها قالت: أُهْديتْ لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاةٌ فقال: «اقسميها» قال: وكانت عائشة إذا رجعت الخادم قالت: ما قالوا لك؟ تقول ما يقولون، يقول: بارك الله فيكم، فتقول عائشة: وفيهم بارك الله، نردُّ عليهم مثل ما قالوا، ويبقى أجرنا لنا([34]).

والأصل مباشرة العبد العبادات بنفسه، فهو أدعى لتزكيتها، وأبلغ في امتثال الأمر، فمراعاتُه مطلوبة، فيمكن أن تُعلَّق الكراهة بما إذا خُشي من الاستشراف إلى المحمدة، أما إذا كان هذا المعنى غير حاضر فالأصل هو الاستحباب، والله أعلم.

  • الخاتمة:

النتائج التي خلصت إليها من هذا البحث ما يلي:

  1. جواز أداء الزكاة إلى صنف واحد من الأصناف الثمانية.

  2. جواز أداء الزكاة إلى شخص واحد من صنفٍ واحد من الأصناف الثمانية، مع استحباب مراعاة الحاجة، ومنع الوصول إلى حدّ الإغناء للفقير.

  3. أداء الزكاة للقريب جائزة، بل مندوبٌ إليها شرعًا؛ لحثّ الشريعة على الإحسان إلى الناس العموم وذوي القربى على وجه الخصوص، وهو مشروط بألا يكون القريب ممن يلزم المزكي النفقة عليه.

  4. استحباب مباشرة المزكي أداء زكاته بنفسه، إلا إن خُشي من تطلّب المحمدة أو الاستشراف لها.

وصلى الله وسلم على نيبنا محمد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) الذخيرة للقرافي (3/ 140).

([2]) انظر: الهداية في شرح بداية المبتدي (1/ 111) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (2/ 282). البحر الرائق (2/ 260).

([3]) قال الحطّاب: (والحاصل أنها لو دفعت لصنف واحد أجزأ إلا العامل فلا تدفع إليه إلا أن تكون قدر عمله) مواهب الجليل (2/ 353) وانظر: مواهب الجليل (2/ 342) الذخيرة للقرافي (3/ 140).

قال الدردير: ((ونُدب إيثار المضطر) أي المحتاج على غيره بأن يزاد في إعطائه منها (دون عموم الأصناف) الثمانية فلا يندب إلا أن يقصد الخروج من خلاف الشافعي) وعلّق الدسوقي: (أي فيندب التعميم حينئذ فالمنفي أولًا الندب الذاتي الأصل، والمثبت الندب العرَضي وفهم أصحابنا أن الواو في قوله تعالى {إنما الصدقات للفقراء}. الآية بمعنى أو، وأن معنى الاختصاص في الآية عدم خروجها عنهم) الشرح الكبير الدردير وحاشية الدسوقي (1/ 498).

([4]) انظر: المغني لابن قدامة (2/ 499) كشاف القناع (2/ 287).

[5])) أخرجه البخاري (1395) ومسلم (19).

[6])) أخرجه مسلم (1044).

[7])) أخرجه أبو داود (2213) والترمذي (3299) وابن ماجه (2062) من سليمان بن يسار عن  سلمة بن صخر، وقال الترمذي بعده: «هذا حديث حسن» قال محمد (أي البخاري): “(سليمان بن يسار لم يسمع عندي من سلمة بن صخر)، ولكن رواه الترمذي (1200) بسند متصل.

([8]) كشاف القناع (2/ 287).

[9])) كشاف القناع (2/ 287).

([10]) انظر: المجموع شرح المهذب (6/ 216) تحفة المحتاج (7/ 170).

([11]) انظر: المجموع شرح المهذب (6/ 216).

([12]) تحفة المحتاج (7/ 170). بتصرف يسير.

([13]) انظر: البحر الرائق (2/ 260)، كشاف القناع (2/ 287).

([14]) البحر الرائق (2/ 260).

([15]) الذخيرة للقرافي (3/ 140-141).

([16]) تحفة المحتاج (7/ 169).

([17]) انظر: المجموع شرح المهذب (6/ 216) تحفة المحتاج (7/ 170).

([18]) قال النووي: (التسوية بين آحاد الصنف ليست واجبة سواء استوعبهم أو اقتصر على ثلاثة منهم أو أكثر، وسواء اتفقت حاجاتهم أو اختلفت لكن يُستحب أن يفرق بينهم على قدر حاجاتهم، فإن استوت سوَّى، وإن تفاضلت فاضَلَ، بحسب الحاجة استحبابًا، وفرّق الأصحاب بين التسوية بين الأصناف حيث وجبت وآحاد الصنف حيث استُحبت بأن الأصناف محصورون، فيمكن التسوية بلا مشقة، بخلاف آحاد الصنف، قال البغوي: وليس هذا كما لو أوصى لفقراء بلد محصورين فإنه يجب تعميمهم والتسوية بينهم، وهنا في الزكاة لو كانوا محصورين وجب تعميمهم، ولا تجب التسوية بينهم؛ لأن الحق في الوصية لهم على التعيين حتى لو لم يكن هناك فقير تبطل الوصية، وههنا لم يثبت الحق لهم على التعيين وإنما تعينوا لفقد غيرهم، ولهذا لو لم يكن في البلد مستحقون لا تسقط، بل يجب نقلها إلى بلد آخر، وهذا الذي ذكرناه من التسوية بين آحاد الصنف وأنها ليست واجبة هكذا أطلقه الجمهور، وقال المتولي هذا إذا قسم المالك فأما إذا قسم الإمام فلا يجوز له التفضيل عند تساوي الحاجات؛ لأن عليه تعميم جميع آحاد الصنف كما سنوضحه إن شاء الله تعالى، فلزمه التسوية، والمالك لا يلزمه التعميم فلا يلزمه التسوية). المجموع شرح المهذب (6/ 216).

([19]) إضافةً إلى معنى آخر وهو: أن الزكوات في يد الإمام كالزكاة الواحدة. انظر: المجموع شرح المهذب (6/ 216) تحفة المحتاج (7/ 170).

([20]) انظر: المجموع شرح المهذب (6/ 216) تحفة المحتاج (7/ 170).

[21])) المجموع شرح المهذب (6/ 216) تحفة المحتاج (7/ 170).

[22])) البحر الرائق (2/ 260).

[23])) انظر: مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (2/ 352) شرح مختصر خليل للخرشي (2/ 220).

[24])) انظر: كشاف القناع (2/ 287).

[25])) ومن ذلك ما فعله ابن حجر الهيتمي والبهوتي. انظر: تحفة المحتاج (7/ 170)، كشاف القناع (2/ 287).

[26])) انظر: مواهب الجليل (2/ 352) شرح مختصر خليل للخرشي (2/ 220).

[27])) قال ابن نجيم: ((قوله وكره الإغناء وندب عن السؤال) أي كره أن يدفع إلى فقير ما يصير به غنيا). البحر الرائق (2/ 268).

[28])) انظر: البحر الرائق (2/ 240).

[29])) انظر: مواهب الجليل (2/ 353)، وهم يرونه جائزا مع الكراهة.

[30])) انظر: تحفة المحتاج (3/ 257) مغني المحتاج (4/ 183) نهاية المحتاج (3/ 88).

[31])) انظر: شرح منتهى الإرادات للبهوتي (1/ 446)

([32])كشاف القناع (2/ 258)،

([33]) كما جاء ذلك عن مالك، المدونة (1/ 344).

[34])) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (10062).

اترك ردا