وقت الوقف

أنت هنا:
< الخلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي شرع الشرائع، ووقت الأوقات، وفرض العبادات على أتم نظام.

أما بعد: فإن من المعلوم أن للشارع عناية بمواقيت العبادات والطاعات، لتنظيم الإنسان وترتيب حياته إلى قيامته، “وسياسة الأمة لا تتم إلا بأن يُؤمر بتعهد النفس بعد كل بُرهة من الزمان”([1]).

ورعاية الشرع للتوقيت ظاهر قال تعالى: {كتابًا موقوتًا}، و{أياما معدودات}.

فالعبادات من جهة الوقت نوعان: مؤقتة قصد فيها الفعل والزمن، سواء كان موسعا كأداء الصلاة وزكاة الفطر، أو مضيقا كصيام رمضان، وغير مؤقتة، القصد منها الفعل من غير تعرض للزمان،  وما لم يأت له وقت في الشريعة أنواع:

– منها ما لم يعلق على سبب كالحج عند من يقول بأنه على التراخي، وكبذل الكفارات.

– ومنها ما علق الفعل فيه بسببه: كالنهي عن المنكر والنفقة وإنقاذ الغريق، فإنها معلقة على أسباب إن وجدت وجد الحكم.

– ومنها ما يعتبر فيه الشرط الجعلي، فإن الشرط الجعلي كالشرط الشرعي: كوقت قسمة غلة الوقف، فإن وقت تحصيل مال الوقف، وزمنه وهيئة قسمته على مستحقة عائد لشرط الواقف، الذي لا يخالف الشريعة.

والعمل بمقتضى شرط الواقف، عليه الإجماع، فإن الواقف قد أخرج ماله إلَّا على وجه معين، فلزم اتباعُ ما عَيَّنه في الوقف([2])، ولهذا قال الفقهاء: “شرط الواقف كنص الشارع”([3])؛ لأن الوقف من جهته. ([4])

بل عد الهيثمي ترك العمل بشرط الواقف من الكبائر؛ لأن يترتب عليه أكل أموال الناس بالباطل([5]).

هذا هو الأصل المعتبر، ولا يخرج عن هذا الحكم إلا في صور:

  • كأن يكون الشرط مخالف للشرع، ومنه ما كان منافيا لمقتضى الوقف في الإسلام، فإن الوقف حبس الأصل وتسبيل الثمرة، وقد أجمع الفقهاء على ذلك، فإن “الشروط إنما يلزم العمل بها إذا لم تفض إلى الإخلال بالمقصود الشرعي” ([6])، و”اتباع شرط الواقف ثابت لما فيه من وجوه المصلحة العائدة على الواقف، أما الشرط الذى يخالف الشرع فلا يصح”.([7])

  • تعذر الوفاء بالشرط: وقال الفقهاء: “إذا تعذر شرط الواقف سقط اعتباره وفعل ما يمكن؛ لأن الواقف لا يقصد تعطيل وقفه”.([8])

  • مخالفة الشرط للأصلح للمستحقين: قال الفقهاء: “يجوز تغيير شرط الواقف إلى ما هو أصلح منه”([9])، ولذا نص الفقهاء على جواز مخالفة وتغيير شرط الواقف، إذا قامت المصلحة الظاهرة، بل نص بعضهم على أنه يجوز انتزاع الولاية من الواقف إذا انتفت أمانته، وكان حائلا في تحقيق مصالح الوقف، ودفع الضرر عنه([10])، قال ابن تيمية: “كل متصرف بولاية إذا قيل له: “يفعل ما يشاء” فإنما هو لمصلحة شرعية، حتى لو صرح الواقف بفعل ما يهواه، وما يراه مطلقا: فشرط باطل؛ لمخالفته الشرع”.([11])

  • إذا كان الشرط يؤدى إلى الضرر بالوقف أو المستحقين.([12])

  • مخالفة الشرط للضرورة: وقال الفقهاء: “ومع الضرورة تجوز مخالفة شرط الواقف للعم بأنه لا يريد تعطيل وقفه وثوابه”. ([13])

ثم إن صرف غلة الوقف ينزل على أحوال:

  • أن يحدد الواقف مدة معينة، فإن لم تتعارض مع المصلحة، فيجب أن تكون القسمة في ذلك الوقت الذي حدده.

  • أن لا يحدد الواقف، فيراجع فيه إلى تقدير الناظر؛ لأنه هو المؤتمن على الوقف بالنظر فيه بمصلحته.

  • الأصل أن يحصل القسم حال تحصيل الغلة، إلا أن تعرض مصلحة راجحة لتأخير القسمة، لنماء أكثر يعود على الموقوف عليهم بالنفع.

  • أن يكون الوقف التزم الزاما معينًا معقودًا عليه، كأن يسلم كل شهر راتبًا أو كل سنة مبلغا، فهنا يجب الالتزام بصرف الغلة بحسبه، لأنه من الوفاء بالعقد.

  • أن يكون في ابتداء الوقف، ويحتاج معه إلى تنميته إلى سنوات، فيعمل بمقتضى ذلك، لأنه من المصلحة التي تجب مراعاتها، ثم تقسم الغلة بحسبها بعد ذلك([14])، ومثله لو احتاج الوقف للتعمير والصيانة، وقد نص بعض الفقهاء أن الناظر إذا صرف لهم مع الحاجة إلى التعمير، فإنه يضمن.([15])

  • ومن النظر الصائب في هذا المسألة النظر في عرف كل عين بحالها، فالعقار له عرف، والمركوبات لها عرف، والثمار والزروع لها عرف، والآبار والأنهار.([16])

 

والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) حجة الله البالغة (ص ).

([2]) إعلام الموقعين (3/61).

([3]) أبطل ابن القيم هذا التقرير، وقال “إعلام الموقعين (3/64)”: «نبرأ إلى اللَّه من هذا القول، ونعتذر ممَّا جاء به قائله، ولا نعدل بنصوص الشارع غيرها أبدًا، وإن أحسنَّا الظن بقائل هذا القول حُمل كلامه على أنها كنصوص الشارع في الدلالة، وتخصيص عامِّها بخاصها، وحمل مطلقها على مقيدها، واعتبار مفهومها كما يعتبر منطوقها، وأما أن تكون كنصوصه في وجوب الاتِّباع وتأثيم من أخلّ بشيء منها فلا يُظن ذلك بمن له نسبة ما إلى العلم، فإذا كان حكمُ الحاكمِ ليس كنص الشَّارعِ، بل يرد ما خالف حُكمَ اللَّه ورسوله من ذلك، فشرط الواقف إذا كان كذلك كان أولى بالرد.

يوضح ذلك أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا قَسَم يُعطي الآهل حَظَّين والعزب حظًا، وقال: “ثلاثةٌ حق على اللَّه عونهم” ذكر منهم الناكح يريد العفاف؛ ومصححو هذا الشرط عكسوا مقصوده، فقالوا: نعطيه ما دام عزبًا، فإذا تزوج لم يستحق شيئًا، ولا يحل لنا أن نُعينه؛ لأنَّه ترك القيام بشرط الواقف وإن كان قد فعل ما هو أحبُّ إلى اللَّه ورسوله؛ فالوفاء بشرط الواقف المتضمن لترك الواجب أو السنة المقدمة على فضل الصوم أو الصلاة لا يحلُّ مخالفته، ومن خالفه كان عاصيًا آثمًا، حتى إذا خالف الأحب إلى اللَّه ورسوله وخالف الأرضى له كان بارًّا مثابًا قائمًا بالواجب عليه! نفسه أو لا، ثم لا يمكنكم طردُ ذلك أبدًا، فإنه لو شَرَط أن يُصلي وحده حتى لا يخالط الناس بل يتوفر على الخلوة والذكر أو شرط فكيف تلزمون بهذه الشروط المفضولة وتبطلون ذلك؟ فما هو الفارق بين ما يصح من الشروط وما لا يصح؟ ثم لو شرط المبيت في المكان الموقوف ولم يشترط التعزُّب فأبحتم له التزويج فطالبته الزوجة بحقها من المبيت وطالبتموه بشرط الواقف منه فكيف تقسمونه بينهما؟ أم ماذا تُقدِّمون: ما أوجبه اللَّه ورسوله من المبيت والقَسْم  للزوجة مع ما فيه من مصلحة الزوجين وصيانة المرأة وحفظها وحصول الإيواء المطلوب من النكاح، أم ما شرطه الواقف وتجعلون شرطه أحق والوفاء به أَلزم؟ أم تمنعونه من النكاح والشارع والواقف لم يمنعاه منه؟ فالحق أن مبيتَهُ عند أهله إن كان أحبَّ إلى اللَّه ورسوله جاز له، بل استحب ترك شرط الواقف لأجله، ولم يمنعه فعل ما يحبه اللَّه ورسوله من تناول الوقف، بل ترك ما أوجبه سببًا لاستحقاق الوقف، فلا نص ولا قياس ولا مصلحة للواقف ولا للموقوف عليه ولا مرضاة للَّه ورسوله».

في “غمز عيون البصائر” (1/334) قوله: قول العلماء: «شرط الواقف كنص الشارع: قيل: أراد به في لزوم العمل، وذلك أيضا بأمر الله تعالى وحكمه؛ فلا يلزم عليه إنكار بعض المحصلين في زماننا؛ حيث قال: هذه كلمة شنيعة غير صحيحة».

([4]) اختلفوا في اعتباره إما في الفهم والدلالة ووجوب العمل، أو في الأول لا وجوب العمل هذا رأي ابن تيمية ، والظاهر أنهما.

مجموع فتاوى ابن تيمية 21/98، رد المحتار لابن عابدين 17/ 474، حاشية الصاوي 9/166، أسنى المطالب لزكريا الأنصاري، 13/5، مطالب أولى النهى 13/242.

([5]) الزواجر (1/439).

([6]) مطالب أولي النهى (12/250).

([7]) إعانة الطالبين (3/200).

([8]) نهاية المحتاج (19/16).

([9]) الإنصاف (11/22).

([10]) شرح فتح القدير (6/240)، حاشية الدسوقي (4/88)، روضة الطالبين (5/361)، مغني المحتاج (3/553) الإنصاف (7/57)، المبدع (5/334).

([11]) الإنصاف (7/57).

[12]))

([13]) تحفة المحتاج (26/42).

([14]) إذا كان قد ذكر الفقهاء أنه لو استأجر منه رجل، ثم بعد مدة أتاه آخر وأراد أن يستأجره بمبلغ أكبر، فسخ عقد الأول.

[15])) الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص: 171)

[16])) النوادر والزيادات (12/50)

اترك ردا