ورقة في حكم زكاة الأسهم الموقوفة إذا ضورب بها

أنت هنا:
< الخلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أمَّا بعد:

فهذه ورقة في حكم زكاة الأسهم الموقوفة على غير المعين، إذا ضاربت بها الجهة الوقفية.

تمهيد:

هذه المسألة من النوازل الحادثة، وذلك أنّ متقدمي الفقهاء كانوا قد بحثوا حكم زكاة المال الموقوف إذا كان مالًا زكويًا في أصله([1])، وأمَّا زكاة السهم الموقوف فوصف النازلة متحقق فيه من جهات: لأن وقف الأسهم([2])، والمضاربات في سوق الأسهم([3])، واستثمار المال الموقوف في نحو صورة المضاربة بالأسهم([4])؛ كلّها من النوازل الحادثة، ولكننا سنتجاوز في هذه الورقة المختصرة حكم هذه المسائل أخذًا بقول المجيزين في كلٍ، وسنحصر البحث في حكم زكاة المال الموقوف على غير معين، لنقارب به حكم زكاة الأسهم الموقوفة إذا ضورب بها.

تحرير محلّ النزاع في زكاة الوقف في أصله:

الوقف باعتبار الموقوف عليهم نوعان: وقف على معيَّن، ووقف على غير معيَّن([5]).

  • أما المال الموقوف على معين فالجماهير على وجوب الزكاة فيه([6]).

  • وأما المال الموقوف على غير معيّن؛ فهو محل الخلاف، وقد اختلف العلماء في حكم زكاته على قولين:

القول الأول: تجب فيه الزكاة، وهذا مذهب المالكية([7])، بل إن مالكًا سئل: لو أنّ رجلًا حبس مائة دينار موقوفة يسلفها الناس ويردونها على ذلك هل ترى فيها زكاة؟ فقال: نعم أرى فيها زكاة([8]).

القول الثاني: لا تجب فيه الزكاة وهو قول جماهير أهل العلم([9])، إلا أنَّ الحنفية فرّقوا بين وقف الثمار وغيرها، فأوجبوا العشر في الثمار الموقوفة، وذلك يعود إلى أصل آخر عندهم وهو أن العشر مؤونة الأرض النامية، فلا اعتبار فيه لشرط الملك([10]).

واستدلّ المالكية أصحاب القول الأول على ذلك بأدلّة منها:

أنَّ مال الوقف على ملك الواقف([11])، فإنَّ أصل المالكية في الباب أنَّ مال الوقف تبقى ملكيته لمالكه الذي وقفه، ولا تتحول بسبب الوقف إلى غيره([12])، فعلى هذا يتحقق في المال الموقوف شرط الملك التام؛ فتجب فيه الزكاة([13])، ويخرج الزكاة من مال الوقف، فإن الزكاة عندهم متعلقة بالعين لا بالذمة([14]).

واستدل الجمهور أصحاب القول الثاني على عدم الوجوب بأدلّة منها:

  1. قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها}([15])، فالخطاب موجَّه إلى الرسول r ليأخذ الزكاة من أصحاب الأموال المعينين المحصورين، لا من غير المعينين، وكذلك قول النبي r لمعاذ t حين بعثه إلى اليمن: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم»([16])، فيدل على أن الزكاة تؤخذ من المعينين لا من غيرهم.

  2. عدم الملك؛ لأنَّ في الزكاة تمليكًا، والتمليك إنما هو فرع عن الملك المعين، فلا يتحقق التمليك من غير المعين، فالتمليك في غير الملك لا يتصور([17])، والأصل عندهم في الوقف أنَّ ملكيته تنتقل من يد الواقف إلى ملك الله تعالى.

  3. أنّ من ضوابط تمام الملك تعيّن المالك، وهذه الأموال ليس لها مالك معيّن([18])، ولذا لا يتمكن من التصرّف فيها بأنواع التصرّفات([19])، فالملك عليها ناقص، والملك الناقص ليس نعمة كاملة، والزكاة إنما تجب في مقابلها، إذ الملك التام عبارة عما كان بيده لم يتعلق به غيره، يتصرف فيه على حسب اختياره، وفوائده حاصلة له([20])، كما أن الملك سبب، فكيف نوجب الزكاة مع تخلف السبب، والسبب مناسبته في ذاته، فملك النصاب مشتمل على الغنى ونعمة الملك في نفسه، وهنا لم يتحقق السبب ولا مناسبته من الغنى ونعمة الملك([21]).

  4. مراعاة الجانب التعبُّدي في الزكاة، فكما أنها حق مالي فهي تكليف تعبدي لا يجب إلا على من تحققت فيه معاني الأهلية، ومن تلك المعاني: التطهير والتزكية للمزكي بإخراج هذه الزكاة، والوقف على غير المعيّن لا تتحقق فيه تلك المعاني؛ لأن ملكيّته غير معيّنة.

  5. أنّ غنى المالك صفة معتبرة في إيجاب الزكاة، وهذه الصفة لا تتحقق في مال الوقف([22]).

  6. أن الربح تبع للأصل، فإذا كان الأصل لا تجب فيه الزكاة، فكذلك النماء الحاصل من المضاربة به واستثماره([23])، والقاعدة الفقهية: “التابع لا يفرد بحكم”([24]).

  7. أن الزكاة شرعت للمواساة، ولا مواساة في مال لا يتحقق فيه الملك التام، أو كان هو في أصله قد قصد به المواساة.

والراجح والعلم عند الله، أنَّ مال الوقف لا زكاة فيه، لما سبق من الأدلة، ولأن الشريعة عددت وجوه البر، وأبواب الإحسان، وجعلت لكل باب مصرفه، ولا ينبغي أن تُزاحم ببعضها فليس مثل ذلك مما يلتئم على أصول الشريعة.

وعليه فإنَّ الأسهم الموقوفة على غير معين لا زكاة فيها.

وأمَّا ما ذكره أصحاب القول الأول: من أن مال الوقف باق على ملك الواقف، فلا يسلم به، بل ملكيته تنتقل إلى الله سبحانه وتعالى، وبهذا تنقطع عنه ملكية الواقف، ولا يقال: بأنَّه ينتقل للموقوف عليهم، لأنَّ ملك الموقوف عليه للوقف ملك ضعيف ناقص، ولا تجب الزكاة في مثل هذا، والزكاة لا تجب إلا باعتبار الملك والمالك، ويعتبر في إيجابها صفة الغنى للمالك، وهي لا تتحقق في هذا الملك؛ لأنه ملك غير معين، ولا تصرف للملاك في أصله، فهو ملك ناقص، والزكاة إنما تجب في الملك التام لشكر النعمة الكاملة([25]).

وصلى الله وسلم على نبينا محمد 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1])) أي تنطبق عليه شروط الزكاة: بكونه مالًا ناميًا، بلغ نصابًا، وحال عليه الحول، وغيرها من أوصاف المال الزكوي.

[2])) انظر: وقف الأسهم في الشركات المساهمة، محمد الأحمد، (ص 121، 122).

[3])) المعاصرون مختلفون في حكم تكوين الشركات المساهمة، وحكم المضاربات في الأسهم، انظر: الأسهم والسندات، للدكتور أحمد الخليل (137).

[4])) فإن الأصل عند إرادة وقف الأسهم أن تكون موقوفة لغرض الاحتفاظ بها لاستثمارها، وانتظار عائدها عند توزيع أرباح الشركة، (مجلة مجمع الفقه، ع 15، 3/283)

([5]) الملك على نوعين:

– ملك خاص معين: هو ما كان لمالك محدد وإن تعدد، فكل مال له صاحب يستأثر بمنافعه، ويتصرّف في محله فهو ملك خاص.

– ملك عام غير معين: هو ما كان لمجموع الأمة أو لجماعة من الجماعات تملكه بوصفها لا بأعيانها، فكل ما لم يتعين مالكه ولم يستحقه معين، بأن يكونوا مبهمين غير معروفين. (انظر: الملكية في الشريعة الإسلامية، لعلي الخفيف ص75).

[6])) وهو مذهب فقهاء الأمصار من الفقهاء الأربعة ونصره أبو عبيد في كتابه الأموال، انظر: المبسوط (2/160)، البناية (3/170)، المدونة (1/380)، مواهب الجليل (2/333)، فتح العلي المالك (2/242)، الأم (2/32)، العزيز (3/95)، المجموع (5/340)، المغني (8/228)، الفروع (2/336)، الأموال (ص 596)، “مجموع الفتاوى (31/235)، وخالف طاوس ومكحول وغيرهم، فذهبوا إلى أنه لا زكاة في الوقف مطلقا؛ لأنَّ الأرض ليست مملوكة لهم، فلم تجب عليهم زكاة في الخارج منها كالمساكين، المغني (8/228).

[7])) انظر: منح الجليل شرح مختصر خليل (2/ 77).

[8])) المدونة (1/ 380)

([9]) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (2/ 9)، المجموع شرح المهذب (5/ 340)، الشرح الكبير على متن المقنع (2/ 440). قال النووي في المجموع: “إذا كانت الماشية موقوفة على جهة عامة كالفقراء أو المساجد أو الغزاة أو اليتامى وشبه ذلك فلا زكاة فيها بلا خلاف لأنه ليس لها مالك معين “، وقال شمس الدين ابن قدامة في الشرح الكبير: “لا تجب زكاة في السائمة الموقوفة لأن الملك لا يثبت فيها في وجه وفي وجه يثبت ناقصاً لا يتمكن من التصرف فيها بأنواع التصرفات“.

([10]) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (2/ 9).

[11])) انظر: بلغة السالك لأقرب المسالك (1/ 650).

([12]) انظر: الذخيرة (3/53-54)، واستدلوا لذلك بأدلة منها:

–  أن القاعدة: مهما أمكن البقاء على موافقة الأصل فعلنا، والقول ببقاء الملك أقرب لموافقة الأصل، فإن الأصل بقاء الملك على ملك أربابها.

– قوله r لعمر بن الخطاب: “إن شئت حبست أصلها وسبلت ثمرتها”، وهذا يدل على بقاء الأملاك، وإلا لقال له: (سبلها)، ولا حاجة إلى التفصيل.

([13]) انظر: الشرح الكبير: (4/76)، الشرح الصغير: (97/ 4 – 98)، الفروق: (2/111).

[14])) وهو مذهب الجماهير من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، خلافًا لبعض الشافعية وقول عند الحنابلة القائلين بأنه متعلق بالذمة، انظر: بدائع الصنائع: (2/21) (2/ 75)، حاشية ابن عابدين: (2/361). المعونة: (ص 367)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (1/ 647). مغني المحتاج (2/ 111)، نهاية المحتاج (3/ 111) (3/ 146). كشاف القناع (2/ 180).

([15]) سورة التوبة آية 103.

([16]) متفق عليه.

[17])) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (2/ 9).

[18])) المجموع شرح المهذب (5/ 340).

[19])) الشرح الكبير على متن المقنع (2/ 440).

([20])كشاف القناع عن متن الإقناع (2/ 170).

([21]) انظر: مواهب الجليل (2/295).

([22]) انظر: المبسوط للسرخسي (3/ 52).

([23]) انظر: مطالب أولي النُّهى، للرحيباني (2/16).

([24]) انظر: المنثور في القواعد للزركشي (1/234).

([25]) انظر: المبسوط للسرخسي (3/51).

اترك ردا